الصفحة 18 من 55

(1) البلاغة العربية المُفلسفة:

يمثّل الاتجاه الأول طه حسين الذي بدأ بالرأي القائل بتأثير أرسطو والمنطق اليوناني عامّة في البلاغة العربية، ثمّ تبنّى بعض تلامذته هذا الرأي وأشاعوه في دراساتهم مع شيء من البسط والتوسّع في الأدلّة والتحليل والمناقشة، قال طه حسين:"لم يكن عبدُ القاهر الجرجاني عندما وضعَ في القرن الخامس كتابَ"أسرار البلاغة"المعتبر غرّة كتب البيان العربي إلاّ فيلسوفًا يجيدُ شرح أرسطو والتعليق عليه، وإنّا لنجدُ في كتابه المذكور جراثيم الطريقة التقريرية التي أودت بالبيان العربي في القرن السادس ... ولا يسعُ من يقرأ دلائلَ الإعجاز إلاّ أن يعترف بما أنفقَ عبد القاهر من جهدٍ صادقٍ خصبٍ في التأليف بين قواعد النحو العربي، وبين ما لأرسطو في الجملة والأسلوب والفصل من الآراء العامة، وقد وُفق عبد القاهر فيما حاول توفيقًا يدعو إلى الإعجاب" [1] .

فهذا رأيٌ جازمٌ في تأثير أرسطو وفلسفته في البلاغة العربية، وهو محتاجٌ إلى أدلة كثيرة تُسنده وتقوّيه، وهو ما لم يفعله طه حسين، فجاء أمين الخولي وتوسّع في استجلاء هذه القضية بالبحث عن الأدلة التي تدعّم هذا الرأي، وتوصّل إلى أنّ قضية تأثير الفلسفة الكلامية في ظهور البلاغة قضية صريحة حدّث عنها المتقدّمون، واستدل بقولين أحدهما للجاحظ والآخر لابن تيمية لإثبات أنّ القدماء قد تحدّثوا عن هذا التأثير وأشارُوا إليه، وتوصّل في خلاصة بحثه إلى أنّ الشعور بتأثير خطابة أرسطو وشعره، أو تأثير الفلسفة عامة شعورٌ قديمٌ، ولم يقف عند القول بالتأثير في البلاغة، بل جاوز ذلك إلى الشعر والكتابة ذاتهما [2] .

(1) . البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص 14، وص 29 وما بعدها.

(2) . انظر مناهج تجديد، ص 155، 157.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت