وقد لا يتّسع هذا المقام لمناقشة آراء الخولي بشأن حديث القدماء عن تأثير الفلسفة في البلاغة، ولكنّ الأسباب التي ذكرها قد تستخدمُ أيضًا في رفع الملامة عن قدامى البلاغيين الذين كانوا يكتبون لأهل عصرهم، مُنسجمين مع بيئتهم الثقافية، وظروفهم الاجتماعية، ولا يمكن وصفهم بحال من الأحوال بالجمود، وقلّة الفائدة، وندرة الإبداع، ووضع بلاغتهم في دائرة التراث الميّت الذي عفا عليه الزمن، وقد يكون النظر إلى جهود السابقين مشوبًا بما يشعر بالاستخفاف بسبب تأثرهم بالفلسفة كما هو الشأن عند البرقوقي الذي قال متحدثًا عن الذين جاءوا بعد القزويني:"ظهر حوالي ذلك قومٌ درجوا في عشّ الفلسفة، فوضعوا على الكتاب الشروح والحواشي، وسلكوا بهذا العلم مسلكًا تنكره اللغة ويستهجنه البلغاء، فأغمضوا عن أسرار البلاغة، وتشبثوا بالفلسفة، وحمي بينهم وطيس المناظرة، حتى أتوا على الذَّمَاء الباقي من هذا العلم" [1] .
وذكر شوقي ضيف أنّ فلسفة أرسطو قد تسرّبت إلى كتابات عبد القاهر عن طريق أساتذته وثقافة عصره التي عرفت مثل تلك الآراء، ورأى في عبد القاهر عالمًا نحويًا كبيرًا قد أشربت روحُه كلَّ ما كتبه أساتذته من أمثال أبي علي الفارسي، وابن جنّي، فاضطرمت مباحثهم في نفسه، واضطرمت معها مباحث البلاغيين من قبله، ومباحث"الخطابة"، و"نقد الشعر"، فكان كلامُه في بعض المواضع من كتبه شديدَ الصلة بكلام المناطقة، ممّا يدلّ على تثقّفه بالمنطق واصطلاحاته وقوانينه [2] .
(1) . انظر مقدمة البرقوقي في التلخيص للقزويني، ط دار الفكر العربي القاهرة (د.ت) ، ص 4.
(2) .البلاغة تطوّر وتاريخ، ص 167، وص 181.