الصفحة 3 من 55

وإذا كانت البلاغة العربية في مرحلتها الأخيرة قد وُصفت بالجفاف والجمود، ووُصفت مناهج علمائها بالتكرار والتعقيد، فإنّه لا بدّ للدارس من النّظر بعين الإنصاف إلى التراث البلاغي القديم، والبحث بدايةً في الأسباب التي كانت وراء التعقيد والغموض اللذين لوحظا في بعض مسائل هذا العلم، ولا سيّما في علاقة البلاغة بالفلسفة وعلم الكلام، وما أثاره الدارسون المحدثون بشأن هذه القضية، ثمّ دراسة جهود قدامى البلاغيين في تيسير الدرس البلاغي من خلال الوسائل كالتلخيصات والشروح، ومن خلال المناهج، والموضوعات، والمصطلحات، مع الإشارة إلى جهود الخطيب القزويني (739هـ) الذي يمثّل المدرسة الكلامية، وابن الأثير (638هـ) الذي يمثّل المدرسة الأدبية، ويحيى بن حمزة العلوي (749هـ) الذي يمثّل امتزاج المدرستين.

وهذه الدراسة ضرورية في سياق البحث في قضية تيسير البلاغة في العصر الحديث، هذه القضية التي مازالت الدراسات بشأنها محدودةً إذا ما قُورنت بقضية تيسير النحو العربي، ذلك أنّ الاتجاه إلى دراسة علم الأسلوب بالإفادة من معطيات علم اللغة الحديث linguistics قد طغى على الساحة الأدبية والنقدية، وغدا الاهتمام منصبًا على تتبّع ما يجدّ في الدراسات الغربية بشأن الأسلوبية، وهو الأمر الذي أدى إلى الهجوم على البلاغة القديمة، والدعوة إلى البلاغة العصرية، أو علم الأسلوب.

... والمنهج المتبع في هذه الدراسة قائم على دراسة الأسباب التي أدت إلى التعقيد في مسائل البلاغة العربية، ومناقشة آراء الدارسين بشأن قضية تأثير الفلسفة في البلاغة، ثمّ دراسة بعض ملامح التيسير في المصادر البلاغية القديمة، مع الإشارة إلى جهود العلماء الذين اهتموا بالتيسير وهم القزويني وابن الأثير، مع التركيز على جهود يحيى بن حمزة العلوي أحد أبرز البلاغيين الذين اهتموا بتيسير البلاغة في القرن الثامن الهجري.

أولًا: التعقيد وأسبابه في علم البلاغة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت