الصفحة 37 من 55

... كان المنهج الذي سار عليه عبد القاهر في درسه البلاغي متميّزًا في دفاعه القويّ عن نظريته في النظم، وفي تحليلاته الدقيقة للنصوص، وفي استدلالاته الموفّقة على المسائل، وغير ذلك من المحاسن التي أثارت إعجاب السابقين واللاحقين على حدٍ سواء، ولكنّ منهجه هذا على ما فيه من أصالة وإبداع شابه شيءٌ من الغموض والوعورة في عرض تلك المسائل، ولعلّ من أسباب ذلك افتقاده إلى التبويب والتنظيم والترتيب، وهي العناصر التي اتجه الدارسون إلى استكمالها بعد ذلك، وتقديمها إلى المتعلّمين في ثوبٍ جديد أكثر سهولةً ويُسرًا، وكانت تجربة الرازي في نهاية الإيجاز رائدة في هذا الاتجاه، فقد أعاد ترتيب مسائل البلاغة وبوّبها تبويبًا جديدًا، ولولا أنّ نزعته الكلامية قد أثّرت على أسلوبه وطريقته في العرض لكان لكتابه شأنٌ آخر عند دارسي البلاغة، ثمّ اتجه السكّاكي بعد ذلك إلى صياغة مصطلحات علم البلاغة، وترتيب مفرداتها في أبواب ثابتة بعد أن وزعها بين علمي المعاني والبيان، وذلك بعد أن لاحظ تلك النقائص المنهجية في كتب عبد القاهر، وقد وُفق السّكاكي في منهجه النظري هذا، غير أنه وقع في ما وقع فيه الرازي من صعوبات أسلوبية سببها نزوعه إلى طرائق علم الكلام في عرض القضايا وتحديد المصطلحات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت