وكان المتأخرون أكثر تصنيفًا فيه من المتقدمين ، ولكن المتقدمين هم - كما لا يخفى - الأعلم الأكمل ، فكانت مؤلفاتهم - وإن كان الغالب عليها عدم الاستيعاب - يغلب عليها النقل عمن تقدم من الأئمة ، وغزارةُ العلم وكثرة الفوائد ، بل إنها أصل هذا الفن وأساسه ومادته وعمدته ، وأما مؤلفات المتأخرين في المصطلح فيغلب عليها التقليد والجمود وقلة الاستقراء وكثرة المناقشات اللفظية وتعقيدها والتأثر بطرائق المتكلمين ؛ بل لقد شارك في التأليف فيه كثير من المتأخرين الذين قل جدًا نصيبهم من هذا العلم ، وكثير ممن غلب عليهم الاهتمام بالآراء أو التقليد الجامد للمذاهب غلبة واضحة ! حتى لقد كان من بعض هؤلاء بعض من يعادي أصحاب الحديث !!!
ولقد عقد الدكتور حاتم بن عارف العوني في كتابه (المنهج المقترح لفهم المصطلح) (ص67-170) بابًا - هو الثاني من أبواب كتابه - في تأريخ تأثر علوم السنة بالعلوم العقلية وبيان ذلك ، وجعل الفصل الأول من الباب في أثر المذاهب العقدية الكلامية على علوم السنة ، والفصل الثاني منه في أثر علم أصول الفقه على علوم السنة ، وقال (ص90) : (كان لأصول الفقه أثرها على علوم الحديث ومصطلحه من خلال نافذتين للتأثير:
الأولى (وهي مباشرة) : من خلال دراسة كتب أصول الفقه للسنة وعلومها، بمنهجها الكلامي . وقد بينا سابقًا القدر الذي يجب عليه الاستفادة من هذه الدراسة لعلوم السنة ، وأشرنا إلى التفريط الواقع في هذا الصدد .
الثانية (وهي غير مباشرة) : من خلال المنهج الذي بثته في الأوساط العلمية، وأثر المنطق اليوناني الذي شبّعت به أساليب التفكير والتأليف لدى العلماء .
( تحرير علوم الحديث , لعبد الله الجديع )
شاع بين كثير من طلبة هذا العلم في هذا الزّمان نِزاعٌ بين ما سمّوه ( طريقة المتقدّمين ) و ( طريقة المتأخّرين ) في علوم الحديث .