الصفحة 3 من 106

وتحرير محلِّ النّزاع: أن أصحاب التَّفريق رأوا علماء الحديث المتأخرين صاروا إلى الحكم على الأحاديث على ما تقتضيه ظواهر الأسانيد ، والتَّقليد لعبارات بعض متأخري العلماء في الحُكم على الرُّواة ، دون مُراجعة لكلام أئمة الجرح والتَّعديل ، إذ كثيرًا ما يختلفون في الرّاوي ، كذلك دون اعتبار للعلل الخفيّة في الرّوايات .

وأيضًا ، رأوا للمتأخرين تساهلًا في إطلاق المصْطلحات ، والتَّوسُع في قبول الحديث المعلول ، بيْنما كان الأوّلون يردُّون مثل تلك الأحاديث .

ومن تساهلهم: تهوين العبارة في الرّواة ، كإطلاق وصف ( ضعيفٌ ) ، أو ( فيه ضعفٌ ) على الرّاوي الواهي السّاقط ، مما يُسهِّل أمره ، ويجعل حديثه مقبولًا ولو اعتبارًا ، من أجل خفّة هذا اللّفظ المتأخر في الجرح .

وكذلك يقولون في الحديث: ( ضعيفٌ ) ، وهو في الواقع ( موضوعٌ ) مثلًا .

وأقول: لا ريْب في صحّة هذا المأخذ ، لكن إطلاقه ليس بمحمود ، فإنَّ لمتأخّري العلماء تحريراتٍ نافعةً في هذا العلم ، كالحُفّاظ: أبي بكر البيهقيّ ، والخطيب البغداديّ ، وابن عبد البرّ الأنْدلسيّ ، فأبي الحجاج المزّيّ ، فالذّهبيّ ، وابن كثير الدّمشقي ، وابن قيّم الجوزيّة ، وابن رجب الحنبليّ ، فأبي الفضْل العراقيّ ، فابن حجر العسقلانيّ ، وغيرهم .

وإن كان التّساهل المشارُ إليه يقع من غيرهم ، وربّما من بعضهم تارةً ، فإنّه لا يصلح أن يقام النِّزاع المورثُ إعراضًا عند بعض النّاس عن تحريرات مثل هؤلاء الأعلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت