وهذا العلم في تحرير من تقدَّم جميعًا مرْجعه إلى طريقة المتقدّمين ، فلا غنى لهم عن منهاج أهله ، كمالك بن أنس ، وشُعبة بن الحجَّاج ، وسفيان الثّوريّ ، ويحيى بن سعيد القطّان ، وعبد الرّحمن بن مهديّ ، وأحمد بن حنبل ، وعليّ بن المدينيّ ، ويحيى بن معين ، والبُخاريّ ، ومسلم بن الحجّاج ، وأبي زُرعة الرّازيّ ، وأبي حاتم الرازيّ ، وأبي داود السّجستانيّ ، والتّرمذي ، والنّسائي ، وإخوانهم من متقدّمي أئمة هذا الشّأن .
وأما منهاجي في هذا الكتاب ، فقد بنيتُ فيه تحرير أصول هذا العلم على طريق السّلف المتقدمين ، واستفدت من تحريرات المتأخرين ، وعدلْتُ عن ابتكاراتهم في هذا الفنّ ؛ لأنهم جروا على التَّنظير في أكثر ما انفردوا به ، خصوصًا أهل الأصول منهم ، وهذا العلم مستنده إلى النّقل ، وإلى التَّبصُّر في منهج أهله .
فبوْنٌ كبيرٌ مثلًا بين كلام أهل الفنّ في تحرير معنى العدالة والجهالة ومراعاتهم لواقع النّقلة ، وبين ما ضمّنه متأخرو الأصوليّين كتبهم في تفسير ذلك ، والّذي تأثروا فيه بمعناها عند القضاة وداخلوا بين هذا الباب وذاك ، ولم يضربوا له من الأمثال من أحوال النّقلة ما يكشف حقيقته .
( تحقيق الرغبة في توضيح النخبة , لعبد الكريم الخضير )
هناك دعوةٌ تُرَدَّدٌ على ألسنة بعض طلبة العلم ، وهي الدعوة إلى نبذ قواعد المتأخرين في مصطلح الحديث والأخذ مباشرة من كتب المتقدمين ، وذلك لأن قواعد المتأخرين قد تختلف أحيانًا عن مناهج المتقدمين ، فمثلًا: زيادة الثقة أو تعارض الوصل والإرسال أو الوقف والرفع عند المتأخرين في كتبهم النظرية يحكمون بحكم عام مطرد ، فيرجحون قبول الزيادة مطلقًا والحكم للوصل مطلقًا والرفع دائمًا ، ومنهم من يرجح ضد ذلك لأنه المتيقن .