ونظير هذه الدعوى دعوى سبقتها ، وهي الدعوة إلى نبذ كتب الفقه ، وطرح كلام الفقهاء وعدم اعتبارها ، والتفقه مباشرة من الكتاب والسنة ، وهي دعوة كسابقتها لا يمكن أن يخاطب بها جميع فئات الطلبة بل يخاطب بها طالب العلم المتمكن الذي لديه أهلية النظر في الأدلة وما يتعلق بها ، فليست كتب الفقه وأقوال الفقهاء دساتير لا يحاد عنها بل ينظر فيها ، فما وافق الدليل عمل به ، وما خالف الدليل ضرب به عُرض الحائط كما أوصى به الأئمة أنفسهم .
وقد اطّلعت أخيرًا على كتاب ألّفه فضيلة الشيخ الشريف حاتم بن عارف العوني وفقه الله وسمَّاه: (( المنهج المقترح لفهم المصطلح ، دراسة تأريخية تأصيلية لمصطلح الحديث ) )وهو كتاب يدل على دقة فهم وسبر واستقراء انتقد المؤلف فيه بعض المصطلحات التي شاع استعمالها عند المتأخرين كالمتواتر والآحاد وغيرها .
وشدد في هذه المسألة ، وهي مجرد اصطلاح والخلاف فيها لفظي إذ لا نزاع بين أحد أن الأخبار متفاوتة قوة وضعفًا وكثرة في رواتها وقلة وفيما تفيده من القطع أو الظن .
( الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات , لأبي معاذ طارق عوض الله )
فكما أن القواعد النظرية لهذا العلم تؤخذ من أهله المتخصصين فيه ، فكذلك ينبغي أن يؤخذ الجانب العملي منهم ؛ لا أن تؤخذ منهم فقط القواعد النظرية ،ثم يتم إعمالها عمليًا من غير معرفة بطرائقهم في إعمالها وتطبيقها وتنزيلها على الأحاديث والروايات .
... فإن أهل مكة أعلم بشعابها ، وأهل الدار أدرى بما فيه ، وإن أفضل من يطبق القاعدة هو من وضعها وحررها ، ونظم شرائطها ، وحدد حدودها .
... فكان من اللازم الرجوع إلى كتب علل الحديث المتخصصة ، والبحث عن أقوال أهل العلم على الأحاديث ؛ لمعرفة كيفية تطبيقهم هم لتلك القواعد النظرية ، التي يقوم عليها هذا الباب ، ومعرفة فه تنزيلها على الروايات والأسانيد .