فهرس الكتاب
وعندما طرح التيار الثوري في الثورة العرابية فكرة إعلان الجمهورية كرد فعل لانحياز الخديوي توفيق للأجانب عارضها عبده ، وعد أن البلاد غير مهيأة لتقبل هذه الفكرة ، وأنها سابقة لأوانها ، وخطوة غير محسوبة النتائج وقد تؤدي إلى غير الغاية التي ينشدها المصريون ، فوقف عبده ضد تطبيقها (( لان الجهل لم يمكن البلاد يومئذ من الرقي إلى النظام الجمهوري ) )ولكنه يعود فيستدرك قائلا: (( ومع ذلك سنجتهد في جعل مصر جمهورية قبل أن نموت ) ) [1] وعلى الرغم من أن عبده كان معتدلا في ميوله ، ألا أن ما أحدثته الثورة العرابية من متغيرات دفعت بكل الاتجاهات الفكرية (( بينبوعها الواحد ) )الذي (( هو استقلال مصر وتقدمها الحضاري ) ) [2] ، جعلت عبده في خضم تحمل أعباء الثورة ، فقدا واحدا من قادتها ، وتمكن من أداء دورًا ملموسًا في الدفاع عنها والمساهمة في صنع أحداثها منذ قيامها . غير أن فشل الثورة العرابية في عام 1882 والتي انتهت أحداثها بدخول عبده السجن لكونه من قادتها ثم نفيه خارج البلاد ، وان واحدا من ابرز الدروس التي استنتجها عبده من مشاركته في الثورة العرابية تكمن في فهمه لمناورات الدول الكبرى وكان شاهد عيان لما قامت به بريطانيا في بلاده من أعمال وحشية من اجل قمع الثورة العرابية التي طالبت بأهداف واقعية من الدستور والحرية والإصلاح ، كما استفاد عبده من مشاركته في الثورة في فهم الجوهر الحقيقي للمشاركة الجماهيرية ، فلم تعد الجماهير ، كما كان سابقا يقيمها ، مجرد كم لا دور لهم ، وانما اصبحوا في ظل تطورات الثورة، قادرين على تثبيت حقوقهم ورفض الظلم الواقع عليهم ، مما ألف نقطة تحول مهمة في تفكير الشيخ عبده ، لاسيما في المرحلة اللاحقة من حياته السياسية [3] .
(1) بلنت / المصدر السابق ، ص453 .
(2) شكري ، غالي / النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث ، ط2 ، بيروت ، 1980 ، ص202 .
(3) امين ، احمد / المصدر السابق ، ص305 ..