الحافظ الإمام جلال الدين السيوطي
الحمد لله وكفى ، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى .
روى البيهقي في"المدخل"بسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ، قال: قال رسول الله ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) :"مهما أوتيتم من كتاب الله تعالى ، فالعمل به لا عذرَ لأحدٍ في تركه ، فإن لم يكن في كتاب الله تعالى ، فسنة مني ماضية ، فإن لم يكن سنة مني ، فما قال أصحابي . إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء ،فأيما أخذتم به اهتديتم ، واختلاف أصحابي لكم رحمة".
في هذا الحديث فوائد:
إخباره ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) باختلاف المذاهب بعده في الفروع ، وذلك من معجزاته ؛ لأنه من الإخبار بالمغيبات .
ورضاه بذلك ، وتقريره عليه ، ومدحه له حيث جعله رحمة ، والتخيير للمكلف في الأخذ بأيها شاء من غير تعيين لأحدها .
واستنبط منه أن كل المجتهدين على هدي ، فكلهم على حق ، فلا لوم على أحد منهم ، ولا ينسب إلى أحد منهم تخطئة ، لقوله:"فأيما أخذتم به اهتديتم"، فلو كان المصيب واحدًا ، والباقي خطأ ، لم تحصل الهداية بالأخذ بالخطأ ، ولذلك سر لطيف سنذكره قريبًا .
وقال ابن سعد في"الطبقات": أنبأنا قبيصة بن عقبة أنبأنا أفلح بن حميد ، عن القاسم بن محمد قال: كان اختلاف أصحاب محمد رحمة للناس . أخرجه البيهقي في"المدخل".
وقال ابن سعد: أنبأنا قبيصة بن عقبة ، أنبأنا سفيان عن إسماعيل بن عبدالملك ، عن عون ، عن عمر بن عبدالعزيز ، قال: ما يسرني باختلاف أصحاب النبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) حمر النعم .
ورواه البيهقي في"المدخل"بلفظ: ما يسرني لو أن أصحاب محمد لم يختلفوا ، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة .