الصفحة 2 من 14

وأخرج الخطيب البغدادي في كتاب"الرواة"عن مالك من طريق إسماعيل بن أبي المجالد ، قال: قال هارون الرشيد لمالك بن أنس ؛ يا أبا عبدالله ، نكتب هذه الكتب ، ونفرقها في آفاق الإسلام ، لنحمل عليها الأمة . قال: يا أمير المؤمنين ، إن اختلاف العلماء رحمة من الله على هذه الأمة ، كل يتبع ما صح عنده ، وكل على هدى ، وكل يريد الله .

وأخرج أبو نعيم في"الحلية"عن عبدالله بن عبدالحكم ، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: شاورني هارون الرشيد في أن يعلق"الموطأ"في الكعبة ، ويحمل الناس على ما فيه ، فقلت: لا تفعل ، فإن أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) اختلفوا في الفروع ، وتفرقوا في البلدان ، وكلٌّ مصيب ، فقال: وفقك الله يا أبا عبدالله .

وأخرج ابن سعد في"الطبقات"عن الواقدي ، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: لما حج المنصور ، قال لي إني قد عزمت على أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ ، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة ، وآمرهم أن يعملوا بما فيها ، ولا يتعدوه إلى غيره ، فقلت: يا أمير المسلمين ، لا تفعل هذا ؛ فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل ، وسمعوا أحاديث ، ورووا روايات ، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم ، ودانوا به من اختلاف الناس ، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منه لأنفسهم .

فصل

اعلم أن اختلاف المذاهب في الملة نعمة كبيرة ، وفضيلة عظيمة ، وله سر لطيف أدركه العالمون ، وعمي عنه الجاهلون ، حتى سمعت بعض الجهال يقول: النبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) جاء بشرع واحد ، فمن أين مذاهب أربعة ؟ ! .

ومن العجب أيضًا من يأخذ في تفضيل بعض المذاهب على بعض تفضيلًا يؤدي ، إلى تنقيص المفضل عليه وسقوطه ، وربما أدى إلى الخصام بين السفهاء ، وصارت عصبية وحمية الجاهلية ، والعلماء منزهون عن ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت