الصفحة 3 من 14

وقد وقع الاختلاف في الفروع بين الصحابة ( رضى الله عنهم و ارضاهم ) ، وهم خير الأمة ، فما خاصم أحد منهم أحدًا ، ولا عادى أحد أحدًا ، ولا نسب أحد أحدًا إلى خطأ ولا قصور .

والسر الذي أشرت إليه قد استنبطته من حديث ورد أن اختلاف هذه الأمة رحمة من الله لها ، وكان اختلاف الأمم السابقة عذابًا وهلاكًا . هذا أو معناه ، ولا يحضرني الآن لفظ الحديث .

فعرف بذلك أن اختلاف المذاهب في هذه الأمة خصيصة فاضلة لهذه الأمة ، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة ، فكانت الأنبياء قبل النبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) يبعث أحدهم بشرع واحد ، وحكم واحد ، حتى إنه من ضيق شريعتهم لم يكن فيها تخيير في كثير من الفروع التي شرع فيها التخيير في شريعتنا ؛ كتحريم القصاص في شريعة اليهود ، وتحتم الدية في شريعة النصارى .

ومن ضيقها أيضًا: لم يجتمع فيها الناسخ والمنسوخ كما وقع في شريعتنا ، ولذا أنكر اليهود النسخ ، واستعظموا نسخ القبلة .

ومن ضيقها أيضًا: أن كتابهم لم يكن يقرأ إلا على حرف واحد كما ورد بكل ذلك الأحاديث .

وهذه الشريعة سمحة سهلة ، لا حرج فيها ، كما قال تعالى: ) يريد الله بكم اليسر ( [ البقرة: 185 ] ، وقال: ) وما جعل عليكم في الدين من حرج ( [ الحج: 78 ] ، وقال( صلى الله عليه و على آله و سلم ) :"بعثت بالحنيفية السمحة".

فمن سعتها: أن كتابها نزل على سبعة أحرف ، يقرأ بأوجه متعددة والكل كلام الله .

ووقع فيه الناسخ والمنسوخ ليعمل بهما معًا في هذه الملة في الجملة ، فكأنه عمل فيها بالشرعين معًا .

ووقع فيها التخيير بين أمرين شرع كل منهما في ملة ، كالقصاص والدية ، فكأنها جمعت الشرعين معًا ، وزادت حسنًا بشرع ثالث ، وهو التخيير الذي لم يكن في أحد الشريعتين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت