ومن ذلك: مشروعية الاختلاف بينهم في الفروع فكانت المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة ، كل مأمور بها في هذه الشريعة ، فصارت هذه الشريعة كأنها عدة شرائع بعث النبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) بجميعها ، وفي ذلك توسعة زائدة لها ، وفخامة عظيمة لقدر النبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) ، وخصوصية له على سائر الأنبياء ، حيث بعث كل منهم بحكم واحد ، وبعث هو ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) في الأمر الواحد بأحكام متنوعة ، يحكم بكل منها وينفّذ ، ويصوب قائله ، ويؤجر عليه ، ويهدي به .
وهذا معنى لطيف فتح الله به ، ويستحسنه كل من له ذوق وإدراك لأسرار الشريعة .
وقد ذكر السبكي في تأليف له أن جميع الشرائع السابقة هي شرائع للنبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) بعث بها الأنبياء السابقة كالنيابة عنه ؛ لأنه نبيّ وآدم بين الروح والجسد ، وجعل إذ ذاك نبي الأنبياء ، وقدر بذلك قوله:"بعثت إلى الناس كافة"، فجعله مبعوثًا إلى الخلق كلهم من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة في كلام طويل مشتمل ، على نفائس بديعات ، وقد سقته في أول كتاب المعجزات .
فإذا جعل السبكي جميع الشرائع التي بعثت بها الأنبياء شرائع له ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) زيادة في تعظيمه ، فالمذاهب التي استنبطها أصحابه من أقواله وأفعاله على تنوعها شرائع متعددة له من باب أولى ، خصوصًا وقد أخبر بوقوعها ، ووعد بالهداية على الأخذ بها .
فصل
ومن الدليل على ما قلناه: قصة اختلاف الصحابة في أسرى بدر ، فإن أبا بكر ومن تابعه أشاروا بأخذ الفداء منهم ، وعمر ومن تابعه أشاروا بقتلهم ، فحكم النبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) بالأول ، ونزل القرآن بتفضيل الرأي الثاني مع تقرير الأول .