وهذا دليل على تصويب الرأيين ، وأن كلًا من المجتهدين مصيب ، ولو كان الرأي الأول خطأ لما حكم به النبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) ، وكيف وقد أخبر الله أنه عين حكمه بقوله: ) لولا كتاب من الله سبق ( [ الأنفال: 68 ] ، وطيب الفادي بقوله تعالى: ) فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا ( [ الأنفال: 69 ] .
وإنما وقع العتب على اختيار غير الأفضل ، فأكثر ما يقع الترجيح في المذاهب بالنظر إلى الأفضل من حيث قوة الأدلة ، والقرب من الاحتياط والورع ، ونحو ذلك في مفردات المسائل ، لا من حيث مجموع المذاهب .
وأما بالنظر إلى التصويب ، فكلُّ صواب وحق ، لا شبهة فيه ولا مرية . ومن هذا كانت طريقة الصوفية أن لا يلتزم مذهب معين ، بل يؤخذ من كل مذهب بالأشد والأحوط والأورع ، فإذا كان في مذهب الشافعي - مثلًا - الجواز في مسألة ، والتحريم في أخرى ، ومذهب غيره بالعكس ، يأخذون بالتحريم احتياطًا ، وإذا كان مذهبه الوجوب في مسألة ، والاستحباب في أخرى ، ومذهب غيره بالعكس ، يأخذون بالوجوب في المسألتين احتياطًا ، فيقولون بنقض الوضوء بلمس النساء ، ومس الفرج ، وبالقيء ، والدم السائل ، ويقولون بوجوب النية في الوضوء ، ومسح كل الرأس ، ووجوب الوتر ، إلى غير ذلك .
وهذا مثل ما حكى في"الروضة"عن ابن سريج أنه كان يغسل الأذنين مع الوجه ، ويمسحهما مع الرأس ، ويمسحهما منفردين ؛ احتياطًا لكل مذهب .
تذنيب: ونظير ما قلناه: أن المذاهب كلها صواب ، وأنها من باب جائز وأفضل ، لا من باب صواب وخطأ: ما ورد عن جماعة من الصحابة في القراءات المشهورة أنهم أنكروها على عثمان ، وقرأوا غيرها . وقد أجاب العلماء عن إنكارهم: أنهم أرادوا أن الأولى اختيار غيرها ، ولم يريدوا إنكار القراءة بها البتة ، وقد عقدت لذلك فصلًا في: الإتقان"."
فصل