الصفحة 8 من 14

والثاني: أن يكون عاريًا من الفقه ، وقد اشتغل بمذهبه فلم يحصل منه على شيء ، ووجد مذهب غيره سهلًا عليه سريعًا إدراكه ، بحيث يرجو التفقه فيه ، فهذا يجب عليه الانتقال قطعًا ، ويحرم عليه التخلف ، لأن التفقه على مذهب إمامٍ من الأئمة الأربعة خير من الاستمرار على الجهل ، وليس له من المذهب سوى مجرد اسم:"حنفي"أو"شافعي"أو"مالكي".

فالفقيه على مذهب أي إمام كان خير من الجاهل بالفقه على كل المذاهب ، فإن الجهل بالفقه نقص كبير ، وقل أن تصح معه عبادة.

وأظن هذا هو السبب في تحول الطحاوي حنفيًا بعد أن كان شافعيًا ؛ فإنه كان يقرأ على خاله المزني ، فاعتاص عليه الفهم يومًا ، فحلف المزني أنه لا يجيء منه شيء ، فانتقل حنفيًا ، ففتح عليه ، وصنف كتابه"شرح معاني الآثار"فكان إذا قرئ عليه يقول: لو عاش خالي ، كفّر عن يمينه .

قال بعض العلماء وقد حكى هذه الحكاية: لا حنث على المزني ؛ لأن مراده: لا يجيء منه شيء في مذهب الشافعي .

قلت: ولا يستنكر ذلك ؛ فرب شخص يفتح عليه بعلم دون علم ، وفي مذهب دون مذهب ، وهي قسمة من الله ، وكل ميسر لما خلق له ، وعلامة الإذن التيسير .

الحال الثالث: أن يكون الانتقال لا لغرض دنيوي ، ولا لغرض ديني ، بل مجردًا عن القصدين ، فهذا يجوز للعامي ، ويكره أو يمنع للفقيه ، لأنه قد حصل فقه ذلك المذهب ، ويحتاج إلى زمن آخر لتحصيل فقه هذا المذهب ، فيشغله ذلك عما هو الأهم من العمل بما تعلمه ، وقد ينقضي العمر قبل حصول المقصود من المذهب الثاني ، فالأولى ترك ذلك .

ومن قال من مفتي المالكية اليوم: إن من تحول عن مذهبه ، فبئس ما صنع ؛ هو لأن إمام مذهبه الشيخ جمال الدين ابن الحاجب لم يقل ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت