3 ـ الإجماع: نقل ابن عبد البر وابن قدامة وابن دقيق العيد وابن حزم والنووي الإجماع على قتل المرتد، ولعلهم إنما حكوا الإجماع استنادا لقتال أبي بكر الصديق رضي الله عنه المرتدين من غير نكير من الصحابة.
لكن المتأمل لحادثة حروب الردة بتفاصيلها التي ذكرها الإمام الطبري في تاريخه، يجد أنها لم تكن حادثة ردة عادية حتى يتم الاستشهاد بها في هذا السياق للدلالة على حدوث إجماع على قتل من ارتد عن دينه، فهي كانت تمثل انشقاقًا وخروجًا على الخليفة وشق عصا الطاعة.
أما المتأمل لمذاهب التابعين فإنه سيجد إمامين من أئمة التابعين لا يقولان بقتل المرتد، فأولهما الإمام إبراهيم النخعي وعنه تفرع فقه العراق، وثانيهما إمام بارز في الحديث هو سفيان الثوري، بل روي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز أيضًا، ويبدو أن هذا الرأي استمر إلى وقت متأخر لأننا وجدنا الإمام ابن حزم الأندلسي كرس في"المحلى"مبحث حد الردة للرد على هذا الرأي، مما يعني أنه كان رأيًا معتبرًا استحق كل تلك العناية بالرد عليه.
ولا دليل (صريحًا) في القرآن كله على وجود عقوبة دنيوية للمرتد وإنما ذكر عقوبة أخروية فقط.
أما السنة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه أمر بقتل أحد لوصف الردة، فالأسود العنسي مثلًا لم يثبت أنه أسلم أصلًا حتى نقول بردته، وابن أبي سرح حين ارتد"لحق بالكفار فأمر به رسول الله أن يُقتل فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله" (النسائي، والحاكم، وأبو داود) والحد لا تُقبل فيه الشفاعة كما هو مقرر.
أما أولئك القوم من عُكْل وعرينة فإنهم ارتكبوا جرائم عدة: قتلوا الرعاة، وسرقوا الإبل، ثم إنما طبق عليهم رسول الله حد الحرابة وليس القتل،"فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا"رواه البخاري.