وأما مِقْيس بن صُبابة فإنما جاء يثأر ممن قتل أخاه هاشم بن صبابة (وكان قد قُتل خطأ) وتظاهر بالإسلام وأخذ دية أخيه، ثم قتل من قتل أخاه، وهرب مرتدا، وقال في ذلك شعرا، فأمر رسول الله بقتله (روى القصة البلاذري في أنساب الأشراف) .
وأما سارة صاحبة كتاب حاطب بن أبي بلتعة وكانت مغنية نواحة، فقدمت مكة وادعت الإسلام فوصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجعت إلى مكة (معسكر الكفر وقتها وفي حالة حرب) وجعلت تتغنى بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقُتلت (قصتها عند البلاذري) .
وكذلك عبد الله بن خطل، فقد أسلم وهاجر إلى المدينة (معسكر الإيمان) فبعثه النبي ساعيًا على الصدقة وبعث معه رجلًا من خزاعة، فوثب على الخزاعي فقتله ثم ارتد وهرب إلى مكة وساق معه الصدقة وجاء لأهل مكة وقال لهم:"لم أجد دينًا خيرًا من دينكم"، وكانت له مغنيتان تغنيان بهجاء رسول الله.
هذه هي الحوادث التي يتعلق بها من يقول بأن النبي صلى الله وعليه قتل مرتدًا، والواقع أن المستدل بها، يسكت عن تفاصيلها التي توضح بأن هناك جرائم ارتكبت تستحق القتل وليس لوصف الردة.
وبالنظر لواقع السيرة النبوية والوقائع السابقة، يبدو جليًا تعبير حديث"التارك لدينه المفارق للجماعة"وأنهما وصف واحد مركب، فقد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كل من يترك دينه يلحق بجماعة الكفار، ولذلك نجد مجمل حوادث الردة إنما وقعت قبل فتح مكة.
يبقى حديث"من بدل دينه فاقتلوه"وهو أقوى ما يُستدل به هنا، وقد حاول بعض المعاصرين أن ينكروا صحة الحديث، لكن الحديث صحيح رواه البخاري، إلا أن الاستدلال به غير متفق عليه، وقد وقع الخلاف فيه من ثلاث جهات:
الأولى: هل تشمل"مَن"في"من بدل ..."الذكر والأنثى؟
الحنفية يقولون إن المرأة لا تقتل، ويقولون إن"مَن"الشرطية لا تشمل الأنثى، وبأنه صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتل النساء في الحرب.
الثانية: قوله:"دينه"هل هو عام في كل دين؟