ثم أحدث المعتزلة بعد ذلك القول بـ: (الْمَنْزِلة بين الْمَنْزِلَتَين) ، ودعوى أنّ مرتكب الكبيرة في مَنْزِلةٍ بين الكفر والإيمان؛ ليس هو بِمُؤمِنٍ ولا كافر. وأوّل ما عرفت هذه المقالة عن واصل بن عطاء الذي كان تلميذًا للحسن البصري؛ فاعتزل مجلس الحسن البصري لذلك، فَسُمِّي ومَنْ كان معه (مُعْتَزِلة) . يقول الشّهرستانِي في بيان سبب القول بـ: (الْمَنْزِلة بين الْمَنْزِلَتَين) : (والسّبب فيه أنّه دخل واحدٌ على الحسن البصري؛ فقال: يا إمام الدِّين؛ لقد ظهرت في زماننا جماعةٌ يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفرٌ يخرج به عن الملّة، وهم وعيديّة الخوارج، وجماعةٌ يرجون، أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضرّ مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركنًا من الإيمان، ولا يضرّ مع الإيمان معصيةٌ كما لا ينفع مع الكفر طاعةٌ، وهم مرجئة الأمّة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادًا؟ فتفكّر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إنّ صاحب الكبيرة مُؤمِنٌ مُطلقٌ، ولا كافرٌ مطلقٌ، بل هو في مَنْزِلة بين الْمَنْزِلَتَين؛ لا مؤمِن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى اسطوانةٍ من اسطوانات المسجد يقرّر ما أجاب به على جماعةٍ من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصلٌ، فَسُمِّي هو وأصحابه مُعْتَزِلَة) [1] .
ويقول البغدادي: (ثم حدث أيّام الحسن البصري خلاف واصل بن عطاء الغزال في القدر وفي الْمَنْزِلَة بين الْمَنْزِلَتَين، وانضمّ إليه عمرو بن عبيد بن باب في بدعته، فطردهما الحسن عن مجلسه، فاعتزلا إلى ساريةٍ من سواري مسجد البصرة، فقيل لهما ولأتباعهما:(مُعْتَزِلَة) لاعتزالهم قول الأمّة في دعواهما أنّ الفاسق مِنْ أمّة الإسلام لا مؤمِن ولا كافر) [2] .
(1) الْمِلل والنّحل لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تعليق أحمد فهمي محمد، دار الكتب العلمية، ط الثانية 1413هـ (ص 42) .
(2) الفرق بين الفرق ص 20.