ثم ظهرت المرجئة في مقابل الخوارج وردّوا بدعة الخوارج ببدعةٍ أخرى؛ فزعموا أنّ المعاصي لا أثر لها في نقص الإيمان بل أنكروا أن تكون الأعمال من الإيمان [1] . وكان أوّل ظهور المرجئة في الكوفة في آخر عصر الصّحابة [2] . وأوّل مَنْ عرف أنّه تكلّم في الإرجاء على التّحديد ذر بن عبد الله بن زرارة المرهبِي، وكان قد شهد مع ابن الأشعث قتال الحجاج سنة 80 هـ [3] . روى الخلال بسندٍ صحيحٍ عن إسحاق بن إبراهيم قال: (سألتُ أبا عبد الله ـ يعنِي أحمد بن حنبل ـ قلتُ: أوّل مَنْ تكلَم في الإيمان مَنْ هو؟ قال: يقولون: أوّل مَنْ تكلَم فيه ذر) [4] . وقد أنكر سلف الأمّة من الصّحابة والتّابعين بدعة المرجئة، كما أنكروا بدعة الخوارج. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (حدثت بدعة القدرية والمرجئة فردّها بقايا الصّحابة؛ كابن عبّاسٍ، وابن عمر، وجابر، وواثلة بن الأسقع وغيرهم ـ رضي الله عنهم ـ، مع ما كانوا يردّونه هم وغيرهم مِنْ بدعة الخوارج والرّوافض) [5] . وقال ـ رحمه الله ـ: (والسّلف اشتدّ نكيرهم على المرجئة لما أخرجوا العمل مِنَ الإيمان، وقالوا: إنّ الإيمان يتماثل النّاس فيه) [6] .
(1) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 13/38.
(2) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 7/311، 13/38، 10/357.
(3) انظر: ترجمته في: ميزان الاعتدال للذّهبِي 2/32.
(4) السّنة للخلال لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، تحقيق عطية الزهراني، ط الأولى، 1410 هـ، دار الراية للنشر والتوزيع (1/563) ، وقال المحقّق: (إسناده صحيح) .
(5) مجموع الفتاوى 10/357.
(6) مجموع الفتاوى 7/555.