فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 63

الوجه الأوّل: وسطيتهم في مسمّى مرتكب الكبيرة وحكمه، فالخوارج والمعتزلة ينفون عنه أصل الإيمان ويسمّيه الخوارج كافرًا، ويجعله المعتزلة في منْزلة بين المنْزلتين، والمرجئة يثبتون له الإيمان كاملًا، ويسمّونه مؤمنًا كامل الإيمان. وأهل السّنة وسط بينهما فلا ينفون عنه أصل الإيمان، ولا يثبتون له الإيمان كاملًا، بل يقولون هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ويسمّونه مؤمنًا ناقص الإيمان، أو مسلمًا. يقول الإمام الطّحاوي ــ رحمه الله ــ مشيرًا إلى وسطية أهل السّنة بين الخوارج والمرجئة في هذه المسألة: (ولا نكفّر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلّه،ولا نقول: لا يضرّ مع الإيمان ذنب لِمَن عمله) [1] . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ في وصف معتقد أهل السّنة: (وهم في باب الأسماء والأحكام،والوعد والوعيد،وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلّدين في النّار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلّيّة، ويكذبّون بشفاعة النبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصالحة ليست من الدّين والإيمان، ويكذّبون بالوعيد والعقاب بالكلّيّة، فيؤمن أهل السّنة والجماعة بأنّ فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنّة) [2] .

ويقول ــ أيضًا ــ(وهم مع ذلك لا يكفّرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر،كما يفعله الخوارج. بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي.

ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلّيّة ولا يخلّدونه في النّار كما تقوله المعتزلة...، ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم) [3] .

(1) العقيدة الطّحاوية مع شرحها لابن أبي العزّ، ص: 432.

(2) مجموع الفتاوى 3/374، 375.

(3) مجموع الفتاوى 3/151-152.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت