فهرس الكتاب
والمرجئة غلو في نصوص الوعد، فقالوا بوجوب إنفاذ الوعد في حقّ العصاة، وعطّلوا نصوص الوعيد وقالوا: لا تتناول إلاّ كافرًا. وأهل السّنة يؤمنون بالوعد والوعيد، ويقولون: إنّ نصوص الوعد والوعيد يفسّر بعضها بعضًا، ويقولون: إنّ وعيد الله للعصاة مشروط بشروط، ووعد الله لأهل الطّاعة مشروط بشروط، فلا تُنَزّل نصوص الوعد والوعيد المطلقة حتى تستوفى شروطها في حقّ المعينين، فلا يوجبون العقاب في حقّ كلّ العصاة، ولا يشهدون للواحد منهم بعينه بالنّار كما تقول الخوارج، ولا يقطعون للعصاة بدخول الجنّة ابتداءً وأنّهم لا يعذّبون في النّار كما تقول المرجئة، فهم وسط بين الطائفتين . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (والوعيدية من الخوارج والمعتزلة، يوجبون العذاب في حقّ أهل الكبائر، لشمول نصوص الوعيد لهم، مثل قوله: ژ ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ کک ک ک ژ(النساء: 10) . وتجعل المعتزلة إنفاذ الوعيد أحد الأصول الخمسة التي يكفّرون مَن خالفها، ويخالفون أهل السّنة والجماعة في وجوب نفوذ الوعيد فيهم وفي تخليدهم... فعارضهم غالية المرجئة بنصوص الوعد فإنّها تتناول كثيرًا من أهل الكبائر، فعاد كلّ فريق إلى أصله، فقال الأوّلون: نصوص الوعد لا تتناول إلاّ مؤمنًا، وهؤلاء ليسوا مؤمنين. وقال الآخرون: نصوص الوعيد لا تتناول إلاّ كافرًا، وكلّ مِن القولين خطأ.. والتّحقيق أن يقال: الكتاب والسّنة مشتمل على نصوص الوعد والوعيد،كما ذلك مشتمل على نصوص الأمر والنّهي،وكلّ من النّصوص يفسّر الآخر ويبيّنه،فكما أنّ نصوص الوعدعلى الأعمال الصالحة مشروطة بعدم الكفر المحبط؛ لأنّ القرآن قد دلّ على أنّ مَن ارتدّ فقد حبط عمله، فكذلك نصوص الوعيد للكفار والفساق مشروطة بعدم التوبة؛ لأنّ القرآن قد دلّ على أنّ الله يغفر الذّنوب جميعًا لمَن تاب، وهذا متّفق عليه بين المسلمين) [1] .
(1) مجموع الفتاوى 12/480-483.