قلت: وقد نص فقهاء الحنابلة على جواز ذلك إذا كان على وجه المسامحة والإبراء والحط، فقال في الإقناع وشرحه في أول كتاب الصلح"على جنس الحق مثل أن يقر رشيد له بدين، فيضع عنه بعضه، ويأخذ الباقي، أو يقر رشيد لآخر بعين لفظ الصلح، لأن الأول - أي وضع بعض الدين- إبراء والثاني - أي هبة بعض الدين- هبة يعتبر له شروط الهبة..، ولا يمنع الإنسان من إسقاط بعض حقه أو هبته، كما لا يمنع من استيفائه، لأنه صلى الله عليه وسلم كلم غرماء جابر ليضعوا عنه، وقضية كعب مع ابن أبي حدود (30) شاهدة بذلك، فإن كان بلفظ الصلح لم يصح، لأنه صالح عن بعض ماله بماله، فهو هضم للحق، وقال أيضًا بمثل ذلك:"ويحرم الصلح عن بيع الدين بجنسه إذا كان مثليًا مكيلًا أو موزونًا بأكثر أو أقل على سبيل المعاوضة، لأنه ربا، لأنه ترك له بعض الدين وأخذ الباقي على سبيل الإبراء والحط كما لو أبرأه من الكل، وتقدم"انتهى كلام صاحب الإقناع وشرحه باختصار (31) ."
وقال في المنتهى وشرحه أيضًا في أول كتاب الصلح:"والصلح في المال قسمان: صلح على إقرار.. وهو نوعان، نوع يقع على جنس الحق مثل أن يقر له بدين أو بعين فيضع بعض الدين كنصفه أو ثلثه أو ربعه ويأخذ الباقي من الدين أو العين فيصح ذلك، لأن جائز التصرف لا يُمنع من إسقاط بعض حقه أو هبته، كما لا يمنع من استيفائه، وقد كلم صلى الله عليه وسلم غرماء جابر أن يضعوا عنه، ولايصح بلفظ الصلح، لأنه هضم للحق، أو يشترط أن يعطيه الباقي كعلى أن تعطيني كذا منه، (أو تعوضني منه كذا) ، يقتضي المعاوضة، فكأنه عاوض عن بعض حقه ببعضه، أو يمنعه، أي يمنع من عليه الحق ربه حقه بدونه، أي الإعطاء منه، فلايصح لأنه أكل لمال غيره بالباطل"، وقال بعد ذلك:"ولايصح صلح عن حق بجنسه كعن بر ببر أقل منه أو أكثر على سبيل المعاوضة، لإفضائه إلى ربا الفضل، فإن كان بأقل على وجه الإبراء والهبة صح لا بلفظ الصلح لما تقدم" (32) .