في هذا الحديث بين النبي صلى الله عليه وسلم المنهج النبوي في التنسك والتطوع بالصوم وهو الاقتصاد والتوسط في العبادة فلا إعراض وانقطاع عنها بالكلية ولا مغالاة وتشديد ومبالغة في فعلها لأن التشديد في العبادة يورث الملل الذي يحمل صاحبه على الانقطاع والنفور عن الخير ويترتب عليه أيضا تفويت الحقوق الواجبة حق النفس والأهل والضيف وغيره ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا) . متفق عليه. وقد فتح على الصحابي عبدالله في باب العبادة فأقسم على الله بالاجتهاد فيها ليلا نهارا وشكي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم حاله وتقصيره في زوجه فأرشده الرسول صلى الله عليه وسلم بداية إلى صوم ثلاثة أيام وبين له أن فضلها وأجرها كأجر السنة لأن صوم اليوم يعدل أجر عشرة أيام ثم رد عليه عبدالله أنه يقوى على أشد فأرشده إلى صوم يوم وفطر يومين فرد عليه أنه يقوى على أشد ثم أرشده صلى الله عليه وسلم إلى صوم يوم وفطر يوم وهو صوم داود عليه السلام ثم طلب منه عبد الله أشد سرد الصوم بلا فطر فبين له أنه لا صوم أعلى وأفضل في باب التطوع من هذا الصوم فأخذ عبد الله بصوم داود ولم يقبل برخصة رسول الله لظنه أنه يقوى على الزيادة ثم لما كبرت سنه وضعف بدنه ندم على ذلك ندما شديدا وقال ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث النهي عن صوم الدهر وهو سرد الصوم بلا فطر لما ورد: (لا صام من صام الدهر) . رواه البخاري. وقد اختلف في حكمه والتفصيل الحسن أن يقال من صام جميع السنة بالأيام المنهي عنها الخمسة العيدان وأيام التشريق فهذا محرم. ومن سرد الصوم مع الفطر في الأيام المنهي عنها كان صومه مكروها والأفضل صوم يوم وفطر يوم.