الحديث في أحكام الاعتكاف. فقد دل الحديث على أن المعتكف منهي عن خروجه من المسجد بلا حاجة مهمة لأن ذلك ينافي حقيقة الاعتكاف أما إخراج بعض الجسد من رأس ويد ورجل فجائز ولو كان من غير حاجة مهمة لأنه لم يتحقق خروجه كاملا فوسع فيه الشرع. فلا حرج على الانسان إخراج بعض جسده لغرض معين ولا يبطل اعتكافه بهذا. وفيه دليل على طهارة بدن الحائض وأن نجاسة حيضتها لا تتعدى إلى سائر بدنها ولا ينجس ما لامسته ببدنها وثوبها. وفيه مشروعية خدمة الزوجة لزوجها في طهارته وزينته وحسن هيئته كما كانت عائشة تسرح شعر رسول الله وتنظفه وهذا من كمال دين المرأة وعقلها ولا ينتقص من قدرها ولا يغض من مكانتها. وفيه دليل على جواز مس المعتكف امرأته من غير شهوة وأن ذلك لا يبطل الاعتكاف فالنهي خاص بمسها ومباشرتها لشهوة. أما إذا مسها لشهوة كتقبيل وضم فيحرم ولكن لا يبطل الاعتكاف إلا بالجماع في الفرج على الصحيح. قال ابن عباس: (إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه واستأنف) . وكذلك يبطل أيضا بمباشرته إذا حصل منه إنزال بإتفاق الفقهاء. وفيه دليل على إباحة الاغتسال والتطهر للمعتكف فلا يمنع من الترفه. ودل الحديث على جواز خروج المعتكف من المسجد إلى بيته لغرض حاجته التي ليس له منها بد من طعام وشراب ودواء وقضاء حاجة وهذا مجمع عليه بين الفقهاء في الجملة. قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول) . فإن كانت حاجته تحصل في ناحية المسجد أو ملحقاته لم يجز له الخروج من المسجد. وفي قول عائشة رضي الله عنها دليل ظاهر على عدم جواز اشتغال المعتكف بعبادة أخرى خارج المسجد من عيادة مريض وتشييع جنازة وإجابة دعوة ونحو ذلك من العبادات الاجتماعية لأن ذلك يقطع الاعتكاف وينافي حقيقته الشرعية ويرخص في ذلك إذا كان في طريق المعتكف للمسجد وكان يسيرا.