هذا الحديث في الوفاء بنذر الاعتكاف. فقد دل الحديث على أن الانسان إذا نذر أن يعتكف وجب عليه الوفاء بالنذر وصار حكم الاعتكاف حينئذ واجبا ولزمه أن يعتكف على حسب نذره في الزمان فإن نذر يوما أو أكثر لزمه ذلك والتتابع على حسب نيته ولفظه. وإذا نذر الاعتكاف في مسجد معين لم يلزمه ذلك إلا أن يكون هذا المسجد له فضيلة في الشرع فيجب ولا يجزئه الاعتكاف في مسجد دونه في الفضل ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمرا بالوفاء في المسجد الحرام. فيجوز الانتقال في النذر من المفضول إلى الفاضل ولا يجوز من الفاضل إلى المفضول فإن نذر في الأقصى جاز في مسجد الرسول أو المسجد الحرام ولا يصح العكس. أما مساجد المدن فلا يلزم النذر فيها لأنها لا خصيصة لها ولا مزية فلا معنى لتخصيصها. وفي الحديث دليل على صحة النذر حال الكفر ومشروعية الوفاء به بعد الإسلام وقد حمل الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم لعمر أوف بنذرك على الاستحباب . وفيه دليل أيضا على عدم اشتراط الصوم في النذر لأنه لو كان واجبا لذكر في الحديث ولأن المحفوظ في هذا الحديث ذكر ليلة وذكر اليوم شاذ كما نبه ابن حجر على هذا فيكون الاعتكاف ليلا بلا صوم. ولا يصح دليل في اشتراط ذلك وما روي في سنن أبي داود من حديث عائشة: (ولا اعتكاف إلا بصوم) . لا يثبت رفعه بل هو موقوف على عائشة أو من دونها من الرواة. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في شوال ولم يذكر أنه كان صائما وهذا مذهب الشافعي وأحمد. وفي الحديث دليل على صحة الاعتكاف زمن ليلة فقط وقد اختلف الفقهاء في أقل زمن يصح فيه الاعتكاف على قولين فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن أقله يوم وليلة وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه يصح ساعة من ليل أو نهار ولا يشترط فيه يوم وليلة ولعل هذا أقرب لأنه لم يرد دليل على التوقيت ولأن الاعتكاف يصدق على الساعة ونحوها لتحقق المكث في المسجد.