فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 598

وبما أنّ التربية لا تخاطب النفس وإنّما تخاطب العقل فإنّ المشكلة الرئيسيّة ستنجم دائمًا عن عجز العقل وضعف مقاومته للإغراءات التي ترغب النفس في الوصول إليها. وبما أن الدولة بطبيعتها مماثلة لطبيعة الإنسان، لهذا فإنّ الدولة الصالحة هي التي تخضع لأحكام العقل وقراراته. ولكن أيّ عقل هو الذي يجب أن يحكم ما دامت العقول مختلفة؟ سيقول أفلاطون إنّه الفيلسوف، لأنّ الناس ولو كانت لهم عقول جميعًا، إلا أنّ الإدراكات العقلية تختلف من فرد لآخر، ولهذا فإنّ العمّال يمثّلون قوّة النفس الشهوية، والجنود الذين يدافعون عن الدولة يمثّلون القوّة الغضبية، أمّا الفلاسفة فهم يمثّلون سلطة العقل. وبما أنّه لا يمكن إلغاء عناصر النفس الإنسانية التي تسبّب الشر الناجم عن الجهل، كما لا يمكن تحويل الناس كلّهم إلى فلاسفة، فإنّه لابدّ لإيجاد نظام عادل من التنسيق بين قوى الإنسان الثلاثة بإعطاء كل واحدة وظيفة في عملية بناء الدولة"إنّ ما يجعل الدولة عادلة هو التزام كل من أقسامها الثلاثة عمله" (5) . ولهذا سيكون"من الجوهري أن يكون الحكم في قبضة الذهن لكونها حكيمة، فتقوم بتدبير مصالح النفس كلّها، وتكون مملكة الحماسة في النفس بمثابة حليفة ورعيّة" (6) . ولهذا يستنتج أفلاطون بأنّه"لا يمكن زوال تعاسة الدول وشقاء النوع الإنساني، ما لم يملك الفلاسفة أو يتفلسف الملوك والحكام، فلسفة صحيحة تامّة. أي ما لم تتّحد القوّتان السياسيّة والفلسفيّة في شخص واحد. وما لم ينسحب من حلقة الحكم الأشخاص الذين يقتصرون على إحدى هاتين القوّتين" (7) . إنَّ أفلاطون سيشبّه الدولة بالسفينة لبيان الخطر المحدق بها في حال تسلّط القوى غير العقليّة عليها، ولهذا سيقول لمحاوره"تأمل ماذا تكون النتيجة إذا انتقينا ربابنة السفن باعتبار ثروتهم، دون جدارتهم الفنيّة، ورفضنا ذا الجدارة في الملاحة لفقره... أفتستثنى الدولة من هذا الحكم، أم ترى أنّه يشملها؟" (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت