فهرس الكتاب
وتراهم يحسبون أنّهم يضمنون لأنفسهم الخلود بإنجاب الأطفال. ولكن هناك غيرهم تكون ميولهم الخلاّقة روحية، ويحملون بالروح لا بالجسد، ويخلقون ذريّة روحيّة، وأزيدك بأنّ هذه الذريّة هي الحكمة والفضيلة عامة، فالشعراء وأصحاب الحرف الذين يبتدعون أشياء يستحقون من أجلها أن يسمّوا مبدعين وخلاّقين. ولعلّ أعظم وأشرف فرع من فروع الحكمة هو الذي يتناول تنظيم الدولة والأسرة وهو الاعتدال والعدل" (20) . إنّ ما قدّمه أفلاطون يكشف عن سبب كتابة الجمهوريّة، وعن مفهوم الحب كحب روحي ليس فيه للجسد إلاّ دور الوسيط للانتقال من الصنعة إلى الصانع، من الصورة إلى المعنى"يبدأ المرء بنماذج الجمال في هذا العالم يجعلها درجات يرقى بها جاعلًا غايته ذلك الجمال الأسمى المطلق من نموذج للجمال الحسي إلى نموذجين ومن نموذجين إلى الجمال ككل، ومن الجمال الحسّي إلى الجمال الخلقي، ومن الجمال الخلقي إلى جمال المعرفة، ومن المعرفة بفروعها المختلفة إلى المعرفة المطلقة التي يكون موضوعها الوحيد الجمال المطلق فيعرف آخر الأمر ماهيّة الجمال المطلق... في ذلك المكان لا في غيره ينبغي للمرء أن ينفق عمره يا سقراط في تأمّل الجمّال المطلق... كم تكون سعادة الرجل الذي يحظى برؤية الجمال المطلق، ويطلع على ماهيّته طاهرًا لا يدنّسه دنس، ونقيًا لا تشوبه شائبة، بدلًا من الجمال الذي يشوبه ويدنسه لحم الإنسان وألوانه، وهو كتلة من المادّة القذرة الفانية. من يصل إلى هنا يستطيع أن يدرك الجمال الإلهي حيث يوجد بمعزل عن كلّ شيء، وحيدًا فريدًا. أتحسب أنّ حياته تدعو إلى الشفقة والرثاء؟. ألا ترى أنّه في ذلك المكان وحده الذي يرى الجمال المطلق بالملكة التي يمكنه رؤيته بها ألا ترى أنّه يستطيع الإتيان ليس فقط بصور منعكسة للخير بل بالخير الحقيقي، لأنّه لا يتّصل بظلّ الحقيقة ولكن بالحقيقة ذاتها؟.