فهرس الكتاب
وهذا ما يكشف عنه الحوار في (( ثياتيتوس ) ):"إنَّ عقوبة الظلم ليست مجرد آلام جسدية أو موت قد يحدث أحيانًا أن يفلتوا منه بل هو عقاب واقع لا مفرَّ منه."
ثيودورس: وأي عقاب تقصد..؟
سقراط: هناك نموذجان منه يا صديقي يوجدان في عالم الحقيقة: الأول إلهي سعيد أمّا الثاني فخلو من روح الإله، كلّه تعاسة. وهم لا يتبينون ذلك لأنّ شدة جهلهم تمنعهم من الإحساس بأنهم إنما يتشبّهون بالمثال الثاني حين يرتكبون الظلم ويبعدون عن المثال الأول وحياتهم بأكملها التي تشبه النموذج الثاني عقاب لهم"ثياتيتوس- 19). إنّ أعلى مستويات السعادة ستتحقق للإنسان بتخلقه بصفات الألوهيّة التي لا يصدر عنها إلاّ الخير، وإن أشدّ أنواع التعاسة ستكون من نصيب مَن لا يجسّدون مثال الخير الأعظم، وستزداد تعاستهم بقدر بعدهم عنه، لأنّ نفوسهم ستخلو عند ذلك من روح الألوهية. إنّ أسباب هذا الحكم تعود لاقتناع أفلاطون بقدرة الإنسان على الاتصال بالروح الإلهيّة، بل لأنّه يعتبر هذا الاتصال والتواصل هو الهدف الأسمى الذي يجب أن يسعى إليه البشر لتحقيق سعادتهم. حتى الحبّ الجسدي عند أفلاطون لا يمثل إلاّ مرحلة متدنية في حياة غير الحكماء، ولهذا السبب ستكون نظرته إلى العلاقة بين الجنسين في الجمهورية كإنجاز لعمل لا يعلق عليه أهمية كبيرة إلاّ بقدر ما هو ضروري لتنظيم العلاقات الاجتماعية بما يخدم المدينة الفاضلة. أمّا الحبّ الحقيقي فهو حب الحكمة وحبّ الروح التي تُمثّلها، أي الله، لأنّ كلّ إبداعات البشر هي فروع مستمدة من الأصل. ولهذا سيفاجأ الذين يبحثون في (( المأدبة، فلسفة الحب ) )عن الحبّ الجسدي حيث سيجدون أنفسهم هدفًا للنقد، وفي موقع مُتدنٍ روحيًا"كلّما ارتقى الإنسان زاد حبه للخلود، وقوي الدافع إليه، أمّا أولئك الذين تتجه غريزتهم الخلاّقة اتجاهًا جنسيًا يجعلون همَّهم النساء، ويكون حبّهم جنسيًا محضًا.