فهرس الكتاب
ولهذا سيمنع أفلاطون في جمهوريته مثل هذه القصص غير الصحيحة في نظره، لأنَّ الله هو علّة الخير، وإنّه"لو كان تغيره تعالى ممكنًا فلا يمكن أن يكون ذلك التغيّر إلى مَثل أدنى. لأننا لا نقدر أن نقول بوجه من الوجوه أنَّ فيه تعالى شيئًا من النقص جمالًا وسموًّا" (16) . إنَّ أفلاطون لا يقدم هذه الآراء لشعوره بحاجة مدينته لفكرة الله والحساب بعد الموت، بل لاقتناعه بوجود إله صانع للكون، وبأنّ هذا الإله الذي يُجسِّد الكمال والجمال والخير لا يتغيّر لأنّه لا يوجد من يؤثر عليه كي تتغيّر صفاته، وهو المؤثّر على الأشياء:"إنّ الله جوهر بسيط فلا يتكيّف، ولا يخرج عن المظهر اللائق بذاته"لأنَّه كما قال لمحاوره"إذا تغيّر كائن عن شكله العادي، أفليس بالضرورة أنّ ذلك التغيّر قد حصل، حتمًا بفعله هو، أو بتأثير آخر" (17) . وبما أنّه لا يوجد فاعل مؤثّر على الله، وإذا تغيّر الله فبفعل من ذاته، لهذا فإنَّ الكامل لا يقبل النقص، وعلَّة الخير، لا يرضى بأن يكون علَّة الشر. ولهذا سيقرر أفلاطون في جمهوريته أن"أولى الشرائع الإلهية، التي توجب على خطبائنا ومؤلفينا أن يطبقوا خطبهم وتآليفهم عليها، هي أنَّ الله تعالى صانع الخير ليس إلا"وسيقول له محاوره:"ولقد أقمت الدليل القاطع على صحتها" (18) . إنَّ الألوهية عند أفلاطون هي حقيقة قائمة لا يجوز إنكارها، بل إنّه آمن بإله واحد لأنه"جوهر بسيط، فلا يتكيّف"وهو لذلك لا يتعدد، وإنه سيؤكد هذا الاعتقاد في كتبه الأخرى، (( السفسطائي ) )و (( طيماوس ) )و (الفيلفس ) ) و (( فايدروس ) )و (( المأدبة ) )، كما أنه سيقول بأن النفس الإنسانية خالدة، وبسبب هذا الخلود سيكون نصيبها السعادة أو الشقاء تبعًا لأعمال صاحبها. ولذلك فإنَّ أكبر النعم التي ستحققها النفس الواعية لمصيرها، ستكون في تجسيد روح الألوهيّة بحبها للخير.