فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 598

إنَّ أفلاطون سيرفض في دولته الفاضلة أي أساطير تمسّ بمكانة الألوهية كما يفهمها فالدولة بالنسبة إليه لكي تكون صالحة لابدَّ أن تؤسس على الإيمان بالله"كل حروب الآلهة التي رواها هو ميرس، يجب حظرها في دولتنا" (11) . لأنَّ الواجب أن"يوصف الله في كل حال على ما هو في ذاته. سواء كان ذلك في الشعر القصصي أو الغنائي أو الروائي، هذا هو الحق... فلا نسند الخيّرات إلى غيره، بل نفتّش عن علّة الشرور في غيره لا فيه" (12) ."فالله تعالى كليّ النقاوة والحق في القول والفعل، فلا يغيّر ذاته، ولا يخدع الآخرين، لا بالرؤى، ولا بالظواهر الخادعة، في يقظة ولا في منام" (13) . إنَّ الله في مفهوم أفلاطون هو"علّة الخير" (14) . ولهذا يرفض"الادّعاء أنّ الإله الصالح علّة شر كائن من الناس فهو قول يجب أن نحاربه بما أوتينا من قوّة. لأنَّ المبدأ الذي تتضمنّه أسطورة كهذه شعرًا أو نثرًا، لا يقال ولا يسمع في المدينة، ولا يبيحه من يروم خير الدولة وارتقاءها شيخًا كان أو فتى. لأنَّها أقوال تنافي طهارة الحياة. وهي ضارة ومتناقضة" (15) . لقد شاهد أفلاطون ببصره في زمنه، وببصيرته المستقبل، وما سيؤدّي إليه التجديف على الله، والإلحاد من أخطار على المجتمع، حيث سيصبح كل شيء مباحًا عندَ من لا يؤمن بالله. وإن كتابات تلك المرحلة التي عاصرها أفلاطون تدلّنا بأن الشعب اليوناني كان يعتقد بتعدّد الآلهة كما تدلّ على ذلك الأساطير، وكان يؤمن بالحساب بعد الموت. ولكن الأساطير كانت تَنسب كثيرًا من أعمال الشر والغدر إلى الآلهة، كما في الإلياذة والأوديسة، وقد أراد أفلاطون أن يصحح مثل هذه القصص التي لا تليق بالآلهة، وأن يمنع نشرها وتداولها، ليس لأنّها تسيء إلى الآلهة فقط بل لأنها تسيء إلى المجتمع، لأنّه إذا كانت الآلهة تخدع وتغدر وتكذب، كما تقول الأساطير، فإن المجتمع سيقتدي بها ما دامت الآلهة هي مَثَلَه الأعلى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت