فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 598

إنّ أفلاطون يريد أن يبني دولة العقل والحكمة القادرة على الأخْذ بيد البشر إلى السعادة بوضع كلّ مواطن في العمل الذي يتناسب مع إمكانياته، وليس بتسليم قيادة السفينة إلى أعمى لأنّه أكثر ثراء، كما يحدث في النظام الرأسمالي. ولهذا سيرفض أفلاطون في جمهوريته كلّ أشكال الانحطاط التي تنشرها الآن الرأسمالية في الحضارة المعاصرة. إنه سيرفض الإلحاد. وكلّ أشكال الثقافة المنحطة من شعر وقصص وموسيقى وكل ما يقود إلى الانحلال الخلقي والتخنث، مما يعني أنّ الرأسمالية المعاصرة لو أتيح لها أن تحاكم أفلاطون فإنّه لن ينجو من الحكم عليه بالإعدام، لأنّ من شروط الحكم الصالح"قمع اللذات التي تستلزم استرسالهم ـ أي المواطنين ـ في الطعام"

والشراب (24) . وهذا يتعارض مع رأسمالية الاستهلاك والأكل والإباحية. كما أنّ أفلاطون سيُحَرِّم الغشَّ في جمهوريته"ولا يُسْمَح لأحدِ رجالنا أن يقبض رشوة أو يكون محبًّا للمال" (25) . كما إنه سيقيم رقابة على الفنون"تشمل أساتذة كلّ فن فنحظر عليهم أن يطبعوا أعمالهم بطابع الوهن والفساد والسفالة والسماجة، سواء في ذلك رسوم المخلوقات الحيّة، أو الأبنية، أو أي نوع آخر من المصنوعات. ومن لا يستطيع غير ذلك فننهاه عن العمل في مدينتنا، لكي لا ينشأ حُكَّامنا في وسط صور الرذيلة نشوء الماشية في مراعٍ رديّة، فتتسرّب الأضرار إلى نفوسهم فتفسدها، بما تلتهم يومًا فيومًا من الأقوات في مختلف المواقع. فيجتمع في نفوسهم مقدار وافرٌ من الشرِّ وهم لا يشعرون. وعلى الضدِّ من ذلك أولًا يجب علينا أن نستدعي فنيّين من طراز آخر، فيتمكّنون بقوة عبقريتهم من اكتشاف أثر الجودة والجمال. فينشأ شبابنا بينهم كما في موقع صحي، يتشرّبون الصلاح من كلّ مَرْبَعٍ تنبعث منه آي الفنون، فتؤثّر في بصرهم وسمعهم كنسمات هابّة من مناطق صحية، فتحملهم منذ حداثتهم،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت