فهرس الكتاب
فيواصل هذا دروسه مستقلًا نقيًّا. ويغذّ السير إلى الأمام حتى يفهم ما لا يزال غير مفهوم، إمّا عن الماضي، أو عن الحاضر أو المستقبل. ومتى سكّن ثورة قسمه الغضبي بالطريقة نفسها، متجنّبًا كلّ انفجار في الشهوة، ممّا يرسله إلى النوم ثائر العواطف ـ أقول، فحين يذهب إلى النوم وقد هدأ قسمان من أقسامه الثلاثة، وظلّ الثالث، مقرّ الحكمة، مستيقظًا، فإنّك عالم إنّه في أوقات كهذه هو في أتمّ الاستعداد لفهم الحقيقة، فلا تكون الرؤى التي يراها في أحلامه منكرة" (88) . فهذا الفهم لحقيقة الرؤيا ومدلولها أيّدته الروايات المسيحيّة عن طبيعة رؤيا القدّيسين، وأشارت إليه التوارة، وأوضح مغزاه الرسول مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - بقوله [أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءًا من النبوّة، والرؤيا ثلاثة فرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا ممّا يحدّث المرء نفسه] (مسلم ـ 2263/ ج15) . وإن فهم أفلاطون لأسباب الرؤيا الصادقة، وغيرها، تدل بأنّه علم أنواعها وعرف حقيقتها، ورأى منها ما صحّ وقوعه معه، وبذلك فتح بابًا من أبواب النبوة التي لم تكتمل معه، وظلّ ينقصه الكثير من العلامات، ولهذا وقع في أخطاء كثيرة وهو يحاول أن يكتب عن عالم الروح، وعن الألوهية، وإنْ تأكّد من وجودهما، وفرَّق بين عالم العقل وعالم الروح، فقال:"يوجد عالمان: العالم المنظور الذي تتناوله الباصرة، والعالم العقلي الذي تتناوله البصيرة. وفي كلّ منهما قسمان يتدرجان من الخفاء إلى الوضوح" (89) ."