فهرس الكتاب
لقد كان أفلاطون بالقياس إلى عصره يعرف أكثر من كلِّ الفلاسفة، ومن الجمهور، ولهذا عانى ما عاناه من المعارضة، ومن السخريّة، ومن الإحساس بالغربة بين قوم لا يفهمونه. وكما قال أوغست دييس"أفلاطون يلفت نظرنا إلى ذلك، بقوله: ـ لا نعجبنّ من أن الحكيم الذي ينتقل من التأمل إلى إسفاف وقائع الحياة، يبدو مُغفّلًا خليقًا بالهزء، حينما لا تنفكّ عيناه في انبهار ولم تألفا العتمة بعد، ويضطر وهو على هذه الحال، في المحاكم أو في مقام آخر، أن يصارع ظلال العدل، وأشباحًا يبتدعونها، وأُناسًا يشرحونها، وهم لم يروا قط العدل بالذات ـ فتلك هي الفترة الزمنية، وتلك هي الحالة، وقد عزلها استطراد الثيئيتتس ، وحباها إنْ صحّ تعبيرنا بنفحة الأزليّة، وأشاد بها ومجّدها. غير أنّ الثيئيتتس إذ يمجِّد فيلسوفه على هذا الوجه في نفوره من عصره، يطبق في فعله هذا مبدأ الجمهورية القائل:"هناك ضربان من المكفوفين: مكفوفون لعبورهم من الظلمات إلى النور، ومكفوفون لعبورهم من النور إلى الظلمات. فهؤلاء دون أولئك، هم المستحقون امتداح حالهم وإطراء حياتهم" (86) . سيعلق أوغست دييس على تناقضات أفلاطون وطموحاته بقوله:"إنّ أفلاطون فنان، وإنه رسول أيضًا" (87) . وسوف نفقد باستمرار عند أفلاطون كما عند الحلاج الشاعر طموح الرسول كلّما التقينا بالفنان، والعكس صحيح. ومن هذا التأرجح بين الفن والرسالة، وقع أفلاطون في كثير من الأخطاء لحساب الفن الساحر، الذي لم يتح لصاحبه رؤية ظلال الحقيقة دائمًا، وكانت نزعته العقلية الغالبة قد أغلقت عليه بشمسها الساطعة الجزء الأهم من بوّابات عالم الروح، وإن تمكّن من ولوج بعض أبوابها، وقطع مسافة في عالم النبوّة بفهمه لحقيقة الرؤيا، حيث قال عنها"إنّي أتصوّر أنّ الإنسان حين تكون عاداته صحيحة عفيفة، وقبلما يذهب للنوم، يثير قسمة العقلي، ويغذّيه بالأبحاث الجميلة السامية، وبالتأمّلات الداخليّة...