فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 598

هذا، ولن يبلغوا ذاك التأمّل وتلك المعاينة السعيدة، إلاّ في نهاية مطاف طويل، محطّاتِه هي بالضبط، درجات الرياضات المتعاقبة، واكتماله هو علم الجدل أي الديالكتيك ولكن هل يطوف بهم هذا المطاف، ليتلبّثوا فيه إلى مالا نهاية؟، كلا، عليهم أن يهبطوا مسرعين إلى"المغارة"وماذا يعملون فيها؟، سوف يألفون النظر إلى الظلال القائمة، لأنّهم بعد استئناسهم بالعتمة، سيرون أفضل من الآخرين بألف مرّة، ويتبيّنون كلّ صورة وما تمثّله. إذ سبق لهم أن رأوا مُثُلَ الجمال والعدل والخير والحقيقة. والآن ما هي العمليات التي يدأب أهل الكهف على القيام بها ـ إشارة إلى أهل الكهف في الجمهوريّة ـ وهذه العمليات ينجزها الفيلسوف بادئ بدء إنجازًا سيئًا جدًا، إذ لا تزال عيناه مليئتين بضياء الشمس العقليّة الساطع. ولكن عندما تعتادان وتألفان العتمة، فهو عندئذ يتقنها خير إتقان ويبذّ فيها الجميع.... وهل هذا إلا علم الطبيعة بالضبط، الطبيعة الكونيّة أو الطبيعة البشريّة؟ وهذا العلم ليس بالعلم الحصري. وما هو، في أدنى درجاته حسب حوار غُرغيس، سوى"ذاكرة واقعيّة لما يحدث عادة". وليس في أعلى درجاته حسب الفيلفس حوارنا هذا، ولن يكون حسب التيمئس، سوى ظن ومحاكاة للحقيقة" (85) . لاشكّ أن أفلاطون قد دقَّ أبواب الروح كأستاذه سقراط، وفُتحت أمامه إلى حدّ ما، ووصفه لإنجاز الفيلسوف السيئ في البداية لأنَّ"عينيه مليئتان بضياء الشمس العقلية الساطع"، أي لاعتماده على المعرفة العقلية، يدل على تمييزه وإدراكه للفرق بين عالم العقل وعالم الروح كمصدر للمعلومات. ولهذا مجّد الفلسفة بالقياس إلى عصره، حيث لا توجد شريعة إلهية موثوقة يمكن قبولها عقليًا، فاجتهد على قدر طاقته وصاغ من العقل والروح جمهوريته التي ظلّت ناقصة، وظلّ يعدّل فيها، لأنّ الجانب العقلي فيها لم يسمح لها بالاكتمال."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت