فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 598

إن تلاميذ أفلاطون قد لاحظوا تلك الصعوبة. وابْرُكْلُس يعلمنا بذلك. غير أنهم لم يتوفقوا إلى إيجاد حلّ ملائم لها. وقد ادعى بعضهم أن النفس الروحيّة، وهي متماثلة في كل مكان، لا تنشط ولا تعي ذاتها دومًا بالنباهة عينها. ومن ثمّ فهي تتدنّى أحيانًا وتغفو بحيث لا تستطيع أن تنعش وتحيي جسم إنسان. فهذه كانت ربّما فكرة أفلاطون. ولكنّه لا يبديها بدقة في مقام ما من مؤلّفاته.

وقد اقترح رُوهِده E. Rohde افتراضًا آخر. فهو يرتأي أن أفلاطون قد ردّ، في أواخر حياته، كل محتوى الروح إلى موهبتها العقليّة، وزوى في الجسد كل الوظائف النفسيّة الأخرى. غير أنه في تلك الحال كان مضطرًّا إلى العدول عن نظريّة تجدد الولادة. ولا يكون قد حافظ عليها في التيمئس إلا من باب الأمانة العفويّة لآراء الأرْفِيّين وأمبذُ كْليس، وبسبب فوائدها العمليّة أيضًا، وما قد يجهله مثل هذا التعليم من تأييد للحقائق الأخلاقيّة.

إلاّ أن التقليل من أهمية الاعتقاد بالتقمّص هو تنكّر لروح الأفلاطونيّة بالذات. فمهما كانت قيمة الأسطورة التي تعبّر بالصورة عن ذاك الاعتقاد، فالإيمان بتقدّم ممكن تحرزه الأرواح أو تدنٍّ محتمل تنحدر إليه، والثقة بمجهود العقل ليسيطر على الغرائز السفلى، كل هذا عنصر متميّز راسخ من فلسفة أفلاطون. وما هو صحيح، على ما أشار إليه رُوْهدِه، هو أن التعليم الأفلاطونيّ في الروح يُفسح المجال لمعطيات كثيرة تختلف في منشإها وطبيعتها. فأفلاطون يمزج ويصهر في بوتقة واحدة الاعتقاد الأُرفيّ والبِثَغوريّ القديم ونظريّة في الروح أحدث عهدًا (ترى فيها أيضًا) مبدأ الوظائف الجسديّة. التيمئس في هذا المضمار يوفّر لنا أول تصميم، كامل جدًا حتى من ذلك الوقت، لكل المذاهب المتعلّقة بروح الإنسان. وسوف تُهيمن تلك المذاهب على الفلسفة، من عهد أرسطو إلى عهد ديكارْت، ثمّ عهدِ اسْبِنُوزا فلايْبْنتِز.

5 ـ اتحاد الروح والجسد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت