فهرس الكتاب
لقد كان هذا الحدس يتجه إلى الداخل واستطعنا بتقويته قليلًا أن ندرك اتصال حياتنا الداخلية. فهلا يكون في وسعه إذا زدنا في تقويته أن يصل بنا إلى جذور وجودنا، وأن يطلعنا بذلك على مبدأ الحياة نفسه" (2) . إن المهم عند برغسون هو كيف نقوي فاعلية الحدس؟ ولكن برغسون لأنه لم يدخل في التجربة بشكل صحيح، ظل على أطراف الحدس، يلامس طيفه على المستوى النظري، الشاعري، ظل وميضًا يلوح له من بعيد دون أن يدخل إلى عوالمه المعرفية. وهذا ما تدلنا عليه تجربته الفلسفية، والنتائج التي توصل إليها، إذ لم يشرب من النبع الصافي للحدس، لأنه ظل يطوف بعقله حول عالم لا يدرك بالعقل إلا بعد رؤيته. وهذا ما سيتعرض له الفيلسوف الروسي نيكولاس برديائف الذي عاين الحدس بشكل باطني ولكنه لم يتعلم منه كثيرًا؛ لأن الفلسفة بشكل عام تساعد على عزلة العقل وتضخم غروره بشكل لا يسمح فيها العقل لصاحبه بالنظر إلى النور الداخلي الذي لا يؤيده المنطق الفلسفي وإن شعر بوجوده، وعرف أنه كامن في"البصيرة الأصلية". يقول برديائف"من الأمور التي تكاد تكون مضحكة تصور أن اسبينوزا قد ادعى بلوغ المعرفة"بطريقة هندسية". والواقع أن الأصل الحقيقي لفلسفة اسبينوزا ـ أو أية فلسفة أخرى ـ أصل حدسي.. أما الإدعاءات الخاصة بوضع فلسفة"خالصة"ومحايدة"وعلمية"، فمجرد أحبولة وضلال. وليس الإثبات العقلي صفة أصلية من صفات الإدراك الفلسفي، بل إنه في نهاية الأمر خارج عن الموضوع، وحيلة انتهازية يصطنعها الفيلسوف إزاء من يأمل إقناعهم ببصيرته. أما ما يحمل الاقتناع، فليس هو الجدل النظري على كل حال، بل البصيرة الأصلية" (3) . إن كثيرًا من الفلاسفة سيتحدثون عن الحدس دون أن يفهموه، وسيتغير مفهومه ومعناه تبعًا لروح الفيلسوف المطموسة في جموح العقل الصارم، الذي يعرف كيف يحسب ويفكر ويقيس ويستنتج، ولكنه لا يدرك النور الداخلي الخاص في أعماقه إلا نادرًا."