فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 598

سيصبح الحدس نورًا طبيعيًا في مفهوم ديكارت، ومكشوفًا لكل الناس"إننا ندرك بالحدس ثلاثة أشياء، الطبائع البسيطة، والحقائق التي لا تقبل الشك، والعلاقات التي تربط الحقائق إلى بعضها البعض. ولذلك سمى ديكارت هذا الحدس نورًا طبيعيًا، تكتسب به معارف كافية للبرهان على قضايا كثيرة" (4) . ولهذا سيُعرف ديكارت الحدس لأنه لا يعرفه إلا من وجود الفكر، ومن كون الحدس تابعًا له بقوله"إنه التصور الذي يقوم في ذهن خالص منتبه بدرجة من السهولة والتميز، لا يبقى معها مجال للريب، أو التصور الذهني الذي يصدر عن نور العقل وحده" (5) . إن الفلاسفة لن يعرفوا الحدس إلا بأدواتهم المنطقية، والحدس هو فوق العقل العملي ووراءه، إنه الباب الذي يشير إلى العمق الداخلي الذي لم ينفتح بعد، وإنما تسرب منه شعاع من أشعة الروح عبر الباب الموصد بالعقل. إنه إشارة فقط للشمس الكامنة في ظلمة الجسد، والتي تدعونا للبحث عنها في أعماقنا. أليست كل ماهية تعبّر عن نفسها بالمعاني المتدفقة منها. فإذا كان ما لا يدرك إلا بالحواس أو بالعقل قد أدرك بدون الحواس، ودون تفكير سواء في النوم أو اليقظة فبأي وسيلة أدركناه؟. إنها المشكلة التي سيقف العقل عاجزًا عن فهمها بسبب اللغز الذي يتمرد على قوانين الفكر. فاللغز ـ الحدس ـ عندما يدق باب العقل ليخبره بأمر ما، سيفاجأ، لأنه لم يأته بالدليل عن طريق الحواس، ولهذا سيوصد الباب في وجهه لأنه لا يريد أن ينازعه في مملكته المطمئنة، ومتى أُوصد الباب في وجه الزائر الغريب والعجيب لن يعود إلى الظهور، لأن الظهور أمام العميان لا يفيد شيئًا. لقد أوصد الفلاسفة باب الحدس غالبًا، ولهذا لا يظهر لهم، ليس لأنه غير موجود بل لأنه غير مطلوب، إذ اكتفى كل عاقل بعقله، ونام على يقينه بدلالات منطق أرسطو ومسلمات العقل، وإبداعه الخاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت