فهرس الكتاب
ولهذا تطور الفكر ولم تتقدم المعرفة، وتحرر كل فيلسوف من سلطة الفلاسفة حين ابتدع فلسفته الخاصة، فأصبحت الفلسفة سببًا للضياع في سوق امتلأ بالنظريات. فمن يريد أن يثبت أن أي مسافة لا يمكن قطعها نظريًا لأنها مؤلفة من أجزاء لا تنتهي فإن عليه أن يلجأ إلى الفلسفة. ومع ذلك فإن الفلسفة وإن عجزت عن إدراك الحقائق الكبرى، وأضاعت كثيرًا من الوقت في الجدل، فإنها طرحت علينا أسئلة فحرضت فينا الشوق لكي نعرف، وإن ضاعت في دروب المعرفة التي لم توصلنا ولن توصلنا إلى مدينة المعرفة، لأن الفلسفة لم ترض بأن تكون تلميذًا على أبواب مدينة الروح. إنها الفلسفة بغرورها وطموحها وجمالها، في ثراء الكلمات والمعاني والأسئلة التي لا تنتهي ولا تريد أن تنتهي. إنها تاريخ القلق والأحلام والمصير اللامحدود للعقل الذي لابد من طوباوياته وثرثرته في مدنيات العالم المشبعة ببخور الرخاء، وعبثية الفكر وطموحاته وتصاميمه المخصصة لبناء وهندسة العالم بحروف الأمل والفشل والانتظار، ودخول كل فلسفة في التاريخ كتاريخ يولد ويموت. فهل نلوم الفلسفة لأنها فشلت في الدخول إلى رحاب عالم الروح أم نشفق عليها؟ ربما إننا بحاجة إلى هذا التضاد، لإدراك جمال الليل والنهار، والقمر والشمس. فكلاهما وإن كان كل واحد يدل على حقيقة مختلفة. فإنهما في إمدادهما للنور يكشفان عن أنوار الحقيقة بنسب مختلفة، الشمس كمنبع للنور، والقمر كمرآة أتاح للشمس فرصة الظهور عندما تغيب فكان شمسًا بالنيابة إلى حين شروقها. لا مجال للتقليل من شأن العقل وما نتج عنه، ولكن علينا إذا كنا نريد أن نستكشف فضاء نفوسنا أن نبحث عن النور الآخر الكامن فينا، لكي نساعد العقل على تحقيق طموحه. وهذا لن يحدث إلا بوصله مع عالم الروح الذي يدلنا الحدس على وجوده. فكيف سنصل إليه؟. وهل سيساعدنا العقل على إنجاز هذه المهمة؟.