فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 598

وبالمقارنة بين ما ورد في الأناجيل والتوراة بالنسبة للوصايا الجوهرية فإننا سنلمس وحدة طريق الرسل والأنبياء ووحدة الرسالة التي أتوا بها، وسينكشف لنا التزوير الذي تعرضت له التوراة بالمقارنة بين الوصايا وبين ما ورد من نصوص تعارضها على المستوى النظري أو العملي، لأنه لا يعقل أن يأمر الله بشيء، وأن يأمر بنقيضه في نفس الوقت. وإذا كان مثل هذا التناقض التشريعي لا يقع فيه الإنسان عند سن قوانين الدول، فهل يعقل أن يقع فيه الله الذي لا تقاس حكمته بحكمة كل البشر؟! من هنا يتبين لنا أن الميزان الرئيسي لكل الشرائع هي الوصايا الجوهرية. وإن الالتزام بها هو الطريق التمهيدي الذي لابد منه لخوض التجربة الروحية. أما الشريعة فستكون هي البرنامج التعليمي للارتقاء بالعقل فكريًا إلى عالم الروح. وهذا البرنامج وإن اختلف بين شريعة وشريعة ظاهرًا فإن وحدته الجوهرية لا تخفى على اللبيب، كما لا تخفى مزايا كل برنامج على الحكماء من أصحاب النظر إلى الأعماق. وأسباب تنوع البرامج كما فسرها الشيخ محيي الدين بن عربي إنما تعود لسعة الرحمة الإلهية، والرغبة في إصلاح البشر"إنما كثرت المناسك رغبة في التماسك. فإن لم تجدني هنا، وجدتني هنا ـ لك ـ ؛ وإن احتجبت عنك في (جمع) ، تجليت لك في (منى) ." (1) فاختلاف الأمة بالرأي رحمة كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - . واختلاف الناس أيضًا رحمة، لأن النجاح الدائم يولد الغرور والفساد والطغيان. فجاء القانون الإلهي لإصلاح الفساد في الأرض { ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضهم ببعض لهُدّمتْ صوامعُ وبيعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يُذكرُ فيها اسمُ اللهِ كثيرًا ولينصُرَنَّ اللهُ من ينصُرهُ إنّ اللهَ لقويٌّ عزيزُ } (الحج/ 40) . فطرق العابدين الصادقين كلها تقود إلى الله. ولهذا شملت رحمة الله العالم..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت