فهرس الكتاب
ومن دلالات أخلاقه أن أهل مكة اختاروا له لقب"الأمين"فكان اسمًا ثانيًا له، وكانت هذه الأمانة سببًا في سعي السيدة خديجة رضي الله عنها للزواج منه. وبدلًا من الاستمتاع بالأموال التي وضعتها بين يديه الزوجة الثرية، وربما لشعورها بفارق العمر بينهما، فقد أنفق ما سمحت به نفسها على الفقراء وفي أوجه الخير، وعلى المسلمين بعد البعثة. وظل مخلصًا لها، ولم يفكر بزواج غيرها حتى وفاتها في الخامسة والستين من العمر. وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ الخمسين. وكان من صفاته التي شهدت بها السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، على قلة رضى الزوجات بأزواجهم أنها قالت له وهي أعرف الناس به حين عاد من غار حراء بعد نزول جبريل عليه لأول مرة قائلًا لها"لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق" (الرحيق المختوم ـ 68) . لقد أدركت بحسها الأخلاقي، وبما في الجاهلية من قيم يحبها كل الناس وإن لم يطبقوها دائمًا، بأن الله لا يمكن أن يؤذي من له هذه الصفات والمزايا التي امتاز بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فكانت على يقين بأن ما رآه الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو بشارة بالخير. فذهبت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل الذي كان نصرانيًا تسأله عن المعنى الذي رآه الرسول - صلى الله عليه وسلم - . فصدق حدسها ببشارته لها، بأنه الوحي الإلهي، وبأنه ـ الناموس الذي كان ينزل على عيسى - عليه السلام - ـ. لقد تهيأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لحمل هذه الرسالة بالأسباب والمسببات كما تدلنا الحوادث، وبعناية الله الأزلية به ليكون مؤهلًا لحمل أعظم رسالة إلى الإنسانية كلها.