فهرس الكتاب
ومن آثار هذه العناية ما حدث به الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه حيث قال [ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمني برسالته، قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي الغنم بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب! فقالوا: عرس فلان بفلانة، فجلست أسمع. فضرب الله على أذني فنمت، فما أيقظني إلا حر الشمس. فعدت إلى صاحبي فسألني، فأخبرته، ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت بمكة فأصابني مثل أول ليلة... ثم ما هممت بسوء] (5) . ورغم أن الرواة اختلفوا حول صحة هذا الحديث الذي ضعفه ابن كثير، إلا إن عناية الله برسله وأوليائه مؤكدة ولابد منها لوصول العبد إلى المقام المحمود. وقد كان من دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو في مقام الرسالة [اللهم لا تكلني إلى نفسي فأضعف] . لأننا وإن سعينا إلى تزكية نفوسنا بالأعمال الصالحة، فإنه لابد لنا من العون الإلهي والرضى حتى تقبل هذه الأعمال. ولكننا لثقتنا بعدل الله ووعده،
وشمول رحمته لكل من جاهد في طاعته، فإن من واجبنا أن نعوّل في نجاحنا ونجاتنا ومعرفتنا الروحية على أعمالنا، وعلى سعة رحمة الله فيما قصرنا به، كما تفاءلت السيدة خديجة أم المؤمنين بعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للحكم على ما رآه. وقد قال الله { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } (العنكبوت/ 69) . وقال { واتقوا الله ويعلمكم الله } (البقرة/ 282) إن الوصول إلى المعرفة بالروح كما نلاحظ كان أساسها الأخلاق الحميدة، والصفات النبيلة، والرحمة بالناس الذين كان يعاملهم، ومن ثم جاء التفكير والتأمل، ثم الخلوات الطويلة، فكان الوحي هو النتيجة التي ختم الله بها للرسول هذا الجهاد. ومن رواية الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنواع الوحي يمكن أن نفهم دلالاته ومظاهره. فقد تحدث الرسول عن صور الوحي وأشكاله، كما وصلت إلينا. وهي: