فهرس الكتاب
ونظرًا لأهمية هذا الحديث ودلالته فيما يخص الوحي، وطبيعة الأحكام البشرية التي قد تصدر في غيابه، فإننا سنقف لقراءة هذا الحادث وموقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - منه، مما حال بينه وبين اتخاذ القرار المناسب في هذا الموقف إلا بعد نزول الوحي. وهذه المواقف تؤكد قوله في حادث الناقة [وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله] . فما هي الحكمة في سرعة نزول الوحي في حادث الناقة، وتأخره في تبرئة أم المؤمنين عائشة. إننا من هذه الحوادث سنستدل على دور الروح كمتلق للوحي، أو كجهاز استقبال له كما أخبرنا الله { قل لا أملكُ لنفسي نَفعًا ولا ضَرًا إلا ما شاءً اللهُ ولو كنتُ أعلم الغيبَ لاستكثرت من الخير وما مَسنيَ السُّوء إنْ أنا إلا نذيرٌ وبشيرٌ لقوم يؤمنون } (الأعراف/ 188) . لقد كان على الرسول كأنما أن يتذوق كل تجارب الأنبياء ومعاناتهم، وكان عليه لأنه الرسول الخاتم - صلى الله عليه وسلم - أن يعرف كل علومهم. وأن تكون رسالته البحر الواسع الذي تصب فيه كل رسالات السماء وتتوحد بداخله، وتتطهر من كل ما تعرضت له من التلوث وهي تسير بين المدن والحضارات التي كانت تزيد من تلويث مياه هذه الأنهار كلما ابتعدت عن نبعها الصافي. وهل يصح أن يكون الرسول الخاتم غير عارف بكل ما عرفه الرسل والأنبياء من العلوم؟. وإذا كان غير عارف بعلومهم فبأي شيء سيكون خاتمًا؟. وهل يصح أن يكون على مستوى البشر، أن يكون من هو أقل علمًا سيدًا للعلماء في أي مجال كان؟. وهل يعقل أن يرسل الله رسلًا وأن يترك الخلق قبل إكمال رسالاته؟. وهل سيكون من الحكمة أن نضع الناس في الجامعة فورًا لكي نمحو أميتهم، أم إن الأفضل أن ننقلهم من مرحلة إلى مرحلة كلما ارتقت عقولهم، واستنارت أرواحهم؟.
لهذا سيقول الرسول الخاتم هذه الكلمات التي تفسر كل الأسئلة التي طرحناها والتي قد يطرحها أي إنسان.