فهرس الكتاب
إن من أصعب الأمور على الكريم أن يتهم بكرمه، وعلى الصادق أن يتهم بصدقه، وعلى السيد في قومه أن يتهم فيما يدعوهم إليه من الأخلاق. فكيف سيكون حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وهو المتهم في أعز ما يملك، الشرف، وما يستوجب الرجم لو صح، لزوجه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. فهل سيعرف الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحق من الباطل فيما أشاعه المنافقون. أليست القصة بكل ما فيها حربًا على الله ورسوله. وقد عرضنا للطريقة التي كان يحاول أن يتصيد فيها المنافقون الحوادث والفرص للتشكيك بالرسول والرسالة. وكيف كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ينتظر الوحي ويتصرف وفقًا لأمره في كل شأن. ولم يعد كما كان في أول أمره يستعجل الوحي، أو يعد بما لم يأت الأمر به. فقد علم أن الوحي لا ينزل إلا بأمر الله كما قال له جبريل - عليه السلام - . فالله العالم بما في السموات والأرض، هو أعلم بحاجات رسله من أنفسهم، فلا حاجة للسؤال إلا أدبًا مع الله، لا من قبيل التحديد لما يريده الرسول، وكأنما هو الذي سيبين لله ما يحتاج إليه، وما يلزمه لنجاح الرسالة. فهذا أمر لا يقع فيه من يؤمن بأن حكمة الله أفضل من حكمته، فكيف سيقع فيه الرسل! وبعد التجربة سيعلم كل رسول أن الله لا يتخلى عن رسله وإن تأخرت الإجابة أو التصدي لمن يريدون برسله شرًا، ولهذا ستحل في نفوسهم الطمأنينة والثقة بعد القلق في المراحل الأولى من الرسالة. فالرسل تتعلم بأرواحها كما نتعلم بعقولنا. ولكن معرفة الروح كما سيتبين لنا من دراسة حادثة الإفك ستظل مقيدة بإرادة الله ووحيه، بحيث لا يستطيع أي إنسان مهما أوتي من الكمال أن يسمع من وحي الله حرفًا واحدًا إلا بإذنه مع أن وحي الله في الكون لا يتوقف لحظة واحدة. لأن كل المخلوقات أو الأكوان التي هي كالآلات بحاجة لهذا الوحي كما يحتاج المصنع لإدارة مالكه.