فهرس الكتاب
بينما لا يحتاج الإنسان إلى هذا الوحي الدائم، لأن عقله المخلوق فيه سيرشده إلى ما يحتاج إليه. والإنسان كما سيتبين لنا وإن وصل إلى أعلى مقامات الخبرة الروحية، لا يستطيع أن يعرف عما يوحى في الأكوان إلا إذا أراد الله أن يكشف له عنه بأي حاسة من الحواس. فالأمر لله حتى لا يظن العبد أن له غير العبودية المطلقة. بل إن العارف بهذا المقام لا يكون مطلبه إلا قبول الله له وإعانته على الوصول إلى مقام العبودية المطلقة لله، لأن عبد السيد يصبح سيدًا برضى سيده عنه. أما من كان في نفسه شيء من الجهل بظنه أنه مستحق أو صاحب حق عند الله لما بذله أو قدمه، فهو لم يفهم مصدر العون، وقد يظن أنه شريك لله طالما ظن أن لديه بعض المزايا الشخصية التي تؤهله للقيام بدور في خدمة الله. نعم إن هذا الدور مطلوب من العبد، وقد يفخر بما يقوم به، ولكن ليس على وجه اليقين، وإنما للمناسبة، أما في العمق فإنه يدرك أن كل ما يجري على يديه من خير إنما هو بفضل الله وتوفيقه. ولهذا سيقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سألته عن سبب قيامه في الليل حتى تورمت قدماه بعد أن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال لها [ أفلا أكون عبدًا شكورًا] إذ ماذا يستطيع العبد أن يقدم لله، والله غني عن العالمين. وهل نطق اللسان بالشكر إلا بعون الرحمن. ولذلك فإن الإنسان العارف يقترب ويقترب حتى يقبل عند الله عبدًا. ولا يقول بالحلول إلا جاهل لم يعرف حقيقة الربوبية، وما تقتضيه حقيقة العبودية ومقامها. إذ في هذا المقام لا ينطق العبد ولا يتصرف إلا بأمر الله، وسواء أعلم الحكمة من الأمر عاجلًا أو آجلًا فإنه لا يتردد في تنفيذ ما أُمر به. فعند عالم الروح تبطل المحاكمة العقلية للأمور، ولا يسأل الرسول ربه لماذا أُمر مثلًا بالسفر إلى الطائف والعودة دون فائدة، ومن ثم الدخول إلى مكة في حماية مشرك.