إنها محاولة لكي يعرف كل إنسان نفسه، ويحدد موقعه في الحياة تبعًا لاختياره. وهي محاولة أيضًا لكي يعرف غيره ولا ينخدع بما يراه من بهارج الحضارات القديمة والمعاصرة. فهذا هو الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل... إما روح، وإما عقل، وإما نفس، وإما غريزة. وباختصار إما إنسان أو حيوان ودون ذلك، إذ ليست العبرة في الصورة ولكن بمضمون الصورة. وإنه الاختيار الذي يصنع به البشر أفردًا أو شعوبًا ودولًا ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم دائمًا.
فاعرف من أنت، واعرف نفسك، واعرف غيرك، لكي تختار بين الذين يعقلون، والذي يأكلون. ولكي تسير إذا شئت بخطى ثابتة من عالم الجسد والنفس إلى عالم العقل الذي تستطيع أن تشهد به ظاهر العالم المادي... أما إذا كنت تطمح لشهود باطن العالم، فلن تشهده إلا بشوق النفس للخروج من الجسد، وعشق العقل للمعرفة... وعندها سيصبح للروح أجنحة تخرج بها من ضيق الجسد إلى سعة العالم، وتطير بها من ظاهر المادة إلى نور الوجود، ومن الكون والتكوين إلى المكوّن، لأن الحب الذي تبحث عنه الروح لا يُشهد إلا بعين الحبيب كما علمنا الرسول الخاتم - صلى الله عليه وسلم - ، بالتقرّب إليه بالنوافل. أو كما قال سلطان العارفين الشيخ محيي الدين بن عربي:
إذا تجلّى حَبيبي ... بأيَّ عَينٍ تراهُ؟
بِعَيْنِهِ لا بِعَيني ... فَما يَراهُ سِوَهُ!
هذا هو كنز الإنسان الكامل ومملكته، وهي"ليست من هذا العالم"كما قال المسيح عليه السلام. إنها في نهاية الطريق لمن يؤثر الخالد على الفاني.
الفصل الأول
حدود المعرفة بالعقل
أسئلة ما زلنا نبحث عن أجوبة لها