وإذا أخذنا هذا المقياس للحكم على الأنظمة والدول والحضارات، فسوف يتبيّن لنا، أن دولًا ومجتمعات ثرية تسلك سلوك الإنسان الحيوان، فهي تقتل وتدمّر وتوظف كل علوم العقل للنهب والسلب والاعتداء على البشر الضعفاء، ليس لأنها محتاجة أو جائعة كما تفعل الوحوش في الغابة إذا جاعت، ولكن لكي تزيد من ثرائها وتمارس شهواتها، وتؤازرها في ذلك شعوبها بالتصفيق لمن سيزيد لها كميات الطعام، ولمن سيفتح لها أبواب حريّة الانحراف والشذوذ على مصاريعها، لكي يمارس كل شخص هواجسه الجنسية دون حياء أو خوف. إنها حضارات كما يقال ولكن ما هو الاسم اللائق بمثل هذه الحضارات إن كانوا أفرادًا أو شعوبًا أو دولًا. هل يليق بهم اسم الإنسان الذي هو دون الحيوان في السلوك لأنه أضلّ من الحيوان في الغايات والأهداف؟.
لقد حدّد الله صفات الإنسان الحيوان، ومن هو دون ذلك بقوله: { أرأيتَ من اتخذَ إلههُ هواهً أفأنتَ تكونُ عليه وكيلًا. أم تَحسبُ أنَّ أكثرهُم يسمعونَ أو يعقلونَ إن همْ إلا كالأنعام بلْ هم أضلُّ سبيلًا } (الفرقان 43/44) . فهذا هو الفرقان بين الإنسان وغير الإنسان، وبين حضارة وحضارة. الخضوع لحكم الروح أو العقل، أو ما تهواه النفوس والغرائز. وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - [من عرف نفسه عرف ربه] . فلا شيء أعظم من معرفة دور النفس ولمن يجب أن تخضع لكي تهتدي بنور العقل أولًا ثمَّ بنور الروح ثانيًا، لكي تقوم بخلافة الله في الأرض، ولا شيء أخطر من النفس لجر الإنسان إلى مواقع الإنسان الحيوان، أو من هم أضلَّ سبيلًا.