فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 598

لقد بيَّنا أن القدرة مستمدة من العلم بالأسباب والمسببات. وإن طاقة العقل الكونية العالمة بالكون عالمة بالتكوين، وإن كل صفة تظهر في المصنوعات لابدَّ من وجودها في الصانع، فالأسماء فروع أو أجزاء من الأصل، وكل صنعة تدل على صفات صانعها، فالجميل فرع من الجمال، والجليل صورة من الجلال، والأصول لا تُدركُ وإن أدركنا معانيها في صور الوجود المادية. لهذا فإن كل ما فاض من صفات الذات لا يعبر عن الذات، فالذات تشهد من خلال الأسماء، كما نحكم على ذوق الفنان من فنه، ولكن الذات تشهد ولا تعرف. بينما تعرف الألوهية بدلالة الخلق ولا تشهد أبدًا. ولهذا إذا تجلى الله لشيء صُعق وفني، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن. ولكن هذا يعود لشهود الشاهد وليس للمشهود، فمن يشهد الألوهية ببصيرته يفنى عن نفسه وعن شهوده ويغيب في مشهوده. وقد ضرب لنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - مثلًا على هذه الحالة فقال: [لما أسري بي كنت أنا في شجرة وجبريل في شجرة فغشينا من أمر الله ما غشينا فخر جبريل مغشيًا عليه وثبتُ على أمري فعرفت فضل إيمان جبريل على إيماني] (كنز العمال- 31854/ج11) . لماذا خر جبريل مغشيًا عليه وثبت الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أمره، مع أن التجلي واحد. ولماذا قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - [فعرفت فضل إيمان جبريل على إيماني] ذلك لأن جبريل علم بالمتجلي من وراء التجلي الإلهي فذاب وغاب عن الإدراك، فعلم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالمعرفة التي سبقه جبريل عليه السلام بها. وهذا يشبه في أحوالنا الإنسانية زيارة عالم عظيم لمكان عام بشكل مفاجئ، إذ في هذه الحالة سيقوم من يعرفه احترامًا له، بينما سيحافظ من لا يعرفونه على أحوالهم، مع أن المشهود للفريقين هو نفس الإنسان. ولكن تصرف كل فريق وإحساسه جاء من علمه بالمشهود، فالعبرة بالعلم. والمشهود بالنسبة للإنسان يُقدّر ويقيّم على قدر علمه به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت