فهرس الكتاب
ولهذا حذر الشيخ محيي الدين بن عربي من الحكم على الأشياء دون معرفة صحيحة، لأن علمنا بها في تلك الحالة سيكون على قدرِنا وليس على قَدْرها. لأن"العلم تابع للمعلوم ما هو المعلوم تابع للعلم" (4) . أي أن العلم الصحيح هو الحكم على الشيء بما فيه. ولهذا فإن علمنا بالأشياء ينبع منها، والعلماء الحقيقيون هم شهود حق على الأشياء لا شهود ظن. ومن علمهم بعناصر الأشياء ونظام عملها تتوفر لهم إرادة التأثير فيها والقدرة على صنع ما يشبهها. فالقدرة لا تنفذ إلا بعلم التركيب لعناصر المادة، ومعرفة قابليات الطبيعة، فَعِلْمُ الله وإن كانت لا تحكم عليه الأسباب عندما يشاء متوافق مع القوانين الكونية، والمشيئة الإلهية لا تناقض قابليات الطبيعة. ولهذا السبب قال الله { وجعلنا من الماء كل شيء حي } (الأنبياء/30) فهو لعلمه بخواص الماء جعله سببًا لحياة المخلوقات، كما نجعل الكهرباء سببًا لإضاءة المدن. فهو جعلُ الأسباب بمثابة قوانين كونية بعلمه في قابليات الطبيعة وعناصرها. فقدرة كل قادر تعود لعلمه فيما يريد التأثير عليه ـ فالعلم تابع للمعلوم ـ والتأثير تابع لعلم الأسباب فيما يراد إحداثه. ولهذه القوانين الموضوعة في الكون بوضع إلهي، خلق الله الإنسان من سلالة من طين، ومن ماء مهين، وأخبرنا بأن علمه فينا عائد إلينا، أي على أعمالنا، فحكمَ علينا بنا، وإن كان يعلم بنا قبل خلقنا { إن الله يعلم غيب السموات والأرض والله بصير بما تعملون } (الحجرات/49) . والدليل على علمه المسبق بالحوادث الكونية إشارات الرسل إلى بعض الحوادث التي وقعت وإخبار بعض المؤمنين بحوادث وقعت أو ستقع. فعلم الله مستمد من علمه بتركيب العناصر ومآلها وسيرها ومنتهاها وما سينجم عنها، فحكم عليها من تركيبها. فهو علم بالأشياء من الأشياء، كما يحكم العالم بالذرة عليها، ويؤثر فيها إذا شاء بالتأثير المناسب.