فهرس الكتاب
هل تعطي الطبيعة فيضًا ذاتيًا من نفسها؟ علينا أن ننظر في حجج الماديين لا لمجرّد دحضها فقط. ولكن للوصول إلى مفهوم صحيح عن دور الإنسان في العالم من أجل ذاته. لأنه إذا كان الإنسان ابن الصدفة فعليه أن يختار نظامه الذي ينفعه ويسعده في حياته القصيرة بنفسه. وسيكون مبدأ السعادة الأبيقوري وتطوراته الإنكليزية والأمريكية على يد جون ديوي، أو الماركسية من وجهة نظر الماركسيين، هما الأنظمة الأمثل للبشرية، وسوف يكون من غير المجدي الحديث عن وصايا عشر اتفقت عليها كل الديانات السماوية، واعتُبرت جوهر هذه الديانات وروحها، وإن لم توضع موضع التطبيق دائمًا. إننا أمام دراسة لحقائق ليست الغاية منها تقديم حجج بلاغية ونظرية لإقناع الطرف المعارض، أو الأطراف المعارضة مهما كانت قوتهم بوجهة نظر أخلاقية من أجل مصلحة المجتمع أو الإنسان. إننا أمام جدال في الحقائق التي تفرض نفسها على كل عارف بها بحيث تدفعه عندما تنكشف له إلى القول، كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو في حالة من الضعف والتهديد بالقتل لا تسمح له لا بإقناع خصومه، ولا بمحاورتهم، ولا بإشهادهم ما يرى، لأنهم لا يملكون الطاقة التي يملكها، ولا بإنزال وحي جبرائيلي عليهم كما ينزل عليه. رغم ذلك قال لعمه أبي طالب وهو يرجوه أن يتوقف عن دعوته إذعانًا لتهديدات قريش وإغراءاتها [يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته] (السيرة النبوية-201/ج1) . وهل يستطيع مخلوق أن يأتي للرسول - صلى الله عليه وسلم - بالشمس والقمر، وأي سر وراء هذا اليقين، بل أي أسرار؟. لا نريد جدالًا للجدال ولا لمصلحة الأمة أو الدين أي دين، ولكننا نريد، الحقائق التي تفرض نفسها على كل من يعرفها. فإذا كان الماديون معهم الحق فعلينا أن نتبعهم، وإلا إذا كانت حججهم مدحوضة فعليهم أن يفكروا بعالم أفضل من أجل سعادة الإنسان.