فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 598

من هنا يتبيَّن لنا أن للطبيعة فيض ذاتي، قابلية، الماء والهواء والحرارة والبرودة، هي مكونات داخلة في تركيب كل عناصر الطبيعة. ولابد منها. وهذه المكونات لها قوانينها الذاتية التي يمكن بمعرفتها تكوين ما نريد منها. فالماء يصلح للحياة ولكنه لا يصلح لبناء بيت للسكن، فلابد من استثمار فيض المادة الذاتي بما يناسبه من المخترعات كي تحصل الفائدة منها. وهذا الاستثمار لابدَّ له من فاعل يقوم به. وهكذا يتبين لنا أن مادة عمياء غير عاقلة لا تستطيع أن تكون كل ما نراه وإن كانت تملك فيضًا ذاتيًا أو صفات معينة. فالحروف مثلًا في اللغة هي مادة خام ولا فائدة منها إذا لم نرتبها في كلمات، ولا فائدة من الكلمات إذا لم نرتبها في جمل وكتب. ولكننا لا نستطيع أن نكتب ما كتبناه دون الحروف. ولهذا انقسم الأمر بيننا وبين الحروف لإظهار الأثر المطلوب إنسانيًا. فإذا فرضنا أن الحروف طبيعة فإن تركيب الكلمات وتأليف الكتب من فعل العقل، وغير العاقل لا يستطيع أن يؤلف كتابًا ولا حتّى أن يفكر فيه. مما قدمناه يتبين لنا أن الفيض الذاتي للطبيعة لا يستطيع أن يُحدث فيضًا منظمًا وعقلانيًا. وعلى الماديين في النهاية لإزالة الخلاف معهم، إما أن يعترفوا بالله، أو أن يقولوا بأن الطبيعة تملك العقل الملائم لتنظيم الكون لأن الفيض لا يكون إلا من طبيعة المفيض ومن ملكه. وبذلك سيكونوا قد عادوا إلى جادة الحقيقة. وليسموا الخالق بأي اسم شاؤوا، وإن كان الأدب يقضي بأن يسموه بما سمى نفسه وبما اصطلح عليه لكي لا يحدث التباس بينه وبين خلقه. فالكلام مصطلحات لتوصيل المعاني كما نعرف، وليست موضعًا للسجال. إذًا فنحن أمام فيض إبداعي للطبيعة مستمد من فيضها الذاتي. فما هو هذا الفيض الإبداعي وكيف حدث؟.

الفيض الإبداعي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت